الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلَوْلاَ كَانَ﴾ :" لولا " تحضيضيةٌ دخلها معنى التفجُّع عليهم، وهو قريبٌ مِنْ مجازِ قوله تعالى :﴿يحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]. وما يُرْوَى عن الخليل أنه قال :" كلُّ " لولا " في القرآن فمعناها " هَلاَّ " إلا التي في الصافَّات :﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ [ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ]﴾ [ الآية : ١٤٣ ]، لا يصح عنه لورودها كذلك في غير الصافات :﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ [القلم: ٤٩] ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ﴾ [الإسراء: ٧٤].
و " مِن القُرون " : يجوزُ أن يتعلق ب " كان " لأنها هنا تامة، إذ المعنى : فهلاَّ وُجِد من القرون، أو حَدَث، ونحو ذلك، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " أُولو بَقِيَّة " لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكون نعتاً له. و " مِنْ قبلكم " حال من " القرون " و " يَنْهَوْن " حالٌ من " أولو بقية " لتخصُّصه بالإِضافة، ويجوز أن يكون نعتاً ل " أُولوا بقية " وهو أَوْلى.
ويَضْعُفُ أن تكونَ " كان " هذه ناقصةً لبُعد المعنى مِنْ ذلك، وعلى تقديرِه يتعيَّن تَعَلُّق " من القرون " بالمحذوف على أنه حالٌ، لأنَّ " كان " الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة، ويكون " يَنْهَوْن " في محل نصب خبراً ل " كان ".
وقرأ العامَّة :" بَقِيَّة " بفتح الباء وتشديد الياء، وفيها وجهان، أحدهما : أنها صفةٌ على فَعيلة للمبالغة بمعنى فاعل، ولذلك دخلت التاءُ فيها، والمرادُ بها حينئذٍ جُنْدُ الشيء وخياره، وإنما قيل لجنده وخياره " بقيَّة " في قولهم :" فلان بقيةُ الناس، وبقيةُ الكرام، لأن الرجلَ يَسْتَبْقي ممَّا يُخْرِجه أجودَه وأفضلَه، وعليه حُمل بيت الحماسة :
٢٧٣٠ إنْ تُذْنِبُوا ثم تَأْتِيني بقيَّتُكم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المثل " في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا ".
والثاني : أنها مصدرٌ بمعنى البَقْوى. قال الزمخشري :" ويجوز أن تكونَ البقيَّة بمعنى البَقْوى، كالتقيَّة بمعنى التقوى، أي : فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط اللَّه وعقابه ".
وقرأ فرقةٌ/ " بَقِيَة " بتخفيف الياء وهي اسمُ فاعلٍ مِنْ بقي كشَجِيَة مِنْ شَجِي، والتقدير : أولو طائفةٍ بَقِيةٍ أي : باقية. وقرأ أبو جعفر وشيبة " بُقْية " بضم الفاء وسكون العين. وقُرىء " بَقْيَة " على المَرَّة من المصدر. و " في الأرض " متعلقٌ بالفَساد، والمصدرُ المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فكيف في الظروف ؟ ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " الفساد ".
قوله :﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان، أحدهما ؛ أن يكون استثناءً منقطعاً، وذلك أن يُحمل التحضيضُ على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعيَّن أن يكونَ الاستثناء منقطعاً لئلا يفسُدَ المعنى.
قال الزمشخري :" معناه : ولكن قليلاً ممَّن أَنْجَيْنا مِن القرون نُهوا عن الفساد، وسائرُهم تاركوا النهي ". ثم قال. " فإن قُلْتَ : هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يُحْمَلُ عليه ؟ قلت : إن جَعَلْتَه متصلاً على ما عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسداً ؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، كما تقول : هلا قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم، تريد استثناء الصلحاء من المُحَضَّضين على قراءة القرآن ". قلت : لأن الكلام يَؤُول إلى أنَّ الناجين لم يُحَضُّوا على النهي عن الفساد، وهو معنىً فاسدٌ.
والثاني : أن يكونَ متصلاً، وذلك بأن يُؤَوَّل التحضيضُ بمعنى النفي فيصحَّ ذلك، إلا أنه يؤدِّي إلى النصب في غير الموجَب، وإن كان غيرُ النصب أَوْلى. قال الزمخشري :" فإن قلت : في تحضيضهم على النهي عن الفسادِ معنى نَفْيه عنهم فكأنه قيل : ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ إلا قليلاً كان استثناءٌ متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابُه على أصلِ الاستثناء، وإن كان الأفصحُ أن يُرْفعَ على البدل " قلت : ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءةُ زيد بن علي " إلا قليلٌ " بالرفع، لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح، كقولِه :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾
[النساء: ٦٦]. وقال الفراء :" المعنى : فلم يكن، لأن في الاستفهام ضرباً من الجَحْد " سَمَّى التحضيض استفهاماً. ونُقِل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّنَ اتصال هذا الاستثناء، كأنه لَحَظَ النفيَ.
و " مِن " في " مِمَّنْ أَنْجَيْنا " للتبعيض. ومنع الزمخشري أن تكونَ للتبعيض، بل للبيان فقال :" حقُّها أن تكون للبيان لا للتبعيض ؛ لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله عز وجل :﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قلت : فعلى الأول يتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل " قليلاً "، وعلى الثاني : يتعلَّق بمحذوف على سبيل البيان، أي : أعني.
قوله :﴿وَاتَّبَعَ﴾ العامَّةُ على " أتَّبع " بهمزة وصل وتاءٍ مشددة، وباء، مفتوحتين، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وفيه وجهان، أحدهما : أنه معطوفٌ على مضمر، والثاني : أن الواوَ للحال لا للعطف، ويتضح ذلك بقول الزمخشري :" فإن قلت : علامَ عَطَف قوله :﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ قلت : إنْ كان معناه :" واتَّبعوا الشهواتِ كان معطوفاً على مضمرٍ ؛ لأن المعنى : إلا قليلاً مِمَّن أنجينا منهم نُهُوا عن الفساد، واتَّبع الذين ظلموا شَهواتِهم، فهو عطفٌ على " نُهوا " وإن كان معناه : واتَّبعوا جزاء الإِتراف، فالواو للحال، كأنه قيل : أَنْجَيْنا القليل، وقد اتَّبَعَ الذين ظَلَموا جزاءهم ".
قلت : فجوَّز في قولِه :" ما أُتْرفوا " وجهين أحدُهما : أنه مفعولٌ مِنْ غيرِ حذفِ مضاف، و " ما " واقعة على الشهوات وما بَطِروا بسببه من النِّعَم، والثاني : أنه على حَذْفِ مضاف، أي : جزاء ما أترفوا، ورتَّب على هذين الوجهين القولَ في " واتَّبع " كما عرفت.
والإِتراف : إفعالٌ من التَّرف وهو النعمة يُقال : صبيٌّ مُتْرَفٌ، أي : مُنْعَم البدن، وأُتْرفوا : نَعِموا. وقيل : التُّرْفة : التوسُّع في النِّعْمة.
وقرأ أبو عمرو في روايةِ الجعفي وجعفر " وأُتبع " بضم همزة القطعِ وسكونِ التاء وكسر الباء مبنياً للمفعول، ولا بد حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف، أي : أُتْبِعوا جزاء ما أُتْرفوا فيه. و " ما " يجوز أن تكونَ بمعنى الذي، وهو الظاهرُ لعَوْد الضمير في " فيه " عليه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي : جزاءَ إترافهم.
قوله :﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها : أن تكونَ عطفاً على " أُتْرِفُوا " إذا جعلنا " ما " مصدريةً، أي : اتَّبَعوا إترافهم وكونَهم مجرمين. والثاني : أنه عطفٌ على " اتَّبع "، أي : اتَّبعوا شهواتِهم وكانوا مجرمين بذلك ؛ لأنَّ/ تابع الشهوات مغمورٌ بالآثام. الثالث : أن يكونَ اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون، ذكر ذلك الزمخشريُّ. قال الشيخ :" ولا يُسَمَّى هذا اعتراضاً في اصطلاح النحو ؛ لأنه آخرُ آيةٍ فليس بين شيئين يحتاج أحدُهما إلى الآخرِ ".
و " مِن القُرون " : يجوزُ أن يتعلق ب " كان " لأنها هنا تامة، إذ المعنى : فهلاَّ وُجِد من القرون، أو حَدَث، ونحو ذلك، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " أُولو بَقِيَّة " لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكون نعتاً له. و " مِنْ قبلكم " حال من " القرون " و " يَنْهَوْن " حالٌ من " أولو بقية " لتخصُّصه بالإِضافة، ويجوز أن يكون نعتاً ل " أُولوا بقية " وهو أَوْلى.
ويَضْعُفُ أن تكونَ " كان " هذه ناقصةً لبُعد المعنى مِنْ ذلك، وعلى تقديرِه يتعيَّن تَعَلُّق " من القرون " بالمحذوف على أنه حالٌ، لأنَّ " كان " الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة، ويكون " يَنْهَوْن " في محل نصب خبراً ل " كان ".
وقرأ العامَّة :" بَقِيَّة " بفتح الباء وتشديد الياء، وفيها وجهان، أحدهما : أنها صفةٌ على فَعيلة للمبالغة بمعنى فاعل، ولذلك دخلت التاءُ فيها، والمرادُ بها حينئذٍ جُنْدُ الشيء وخياره، وإنما قيل لجنده وخياره " بقيَّة " في قولهم :" فلان بقيةُ الناس، وبقيةُ الكرام، لأن الرجلَ يَسْتَبْقي ممَّا يُخْرِجه أجودَه وأفضلَه، وعليه حُمل بيت الحماسة :
٢٧٣٠ إنْ تُذْنِبُوا ثم تَأْتِيني بقيَّتُكم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المثل " في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا ".
والثاني : أنها مصدرٌ بمعنى البَقْوى. قال الزمخشري :" ويجوز أن تكونَ البقيَّة بمعنى البَقْوى، كالتقيَّة بمعنى التقوى، أي : فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط اللَّه وعقابه ".
وقرأ فرقةٌ/ " بَقِيَة " بتخفيف الياء وهي اسمُ فاعلٍ مِنْ بقي كشَجِيَة مِنْ شَجِي، والتقدير : أولو طائفةٍ بَقِيةٍ أي : باقية. وقرأ أبو جعفر وشيبة " بُقْية " بضم الفاء وسكون العين. وقُرىء " بَقْيَة " على المَرَّة من المصدر. و " في الأرض " متعلقٌ بالفَساد، والمصدرُ المقترن بأل يعمل في المفاعيل الصريحة فكيف في الظروف ؟ ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " الفساد ".
قوله :﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان، أحدهما ؛ أن يكون استثناءً منقطعاً، وذلك أن يُحمل التحضيضُ على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعيَّن أن يكونَ الاستثناء منقطعاً لئلا يفسُدَ المعنى.
قال الزمشخري :" معناه : ولكن قليلاً ممَّن أَنْجَيْنا مِن القرون نُهوا عن الفساد، وسائرُهم تاركوا النهي ". ثم قال. " فإن قُلْتَ : هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يُحْمَلُ عليه ؟ قلت : إن جَعَلْتَه متصلاً على ما عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسداً ؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، كما تقول : هلا قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم، تريد استثناء الصلحاء من المُحَضَّضين على قراءة القرآن ". قلت : لأن الكلام يَؤُول إلى أنَّ الناجين لم يُحَضُّوا على النهي عن الفساد، وهو معنىً فاسدٌ.
والثاني : أن يكونَ متصلاً، وذلك بأن يُؤَوَّل التحضيضُ بمعنى النفي فيصحَّ ذلك، إلا أنه يؤدِّي إلى النصب في غير الموجَب، وإن كان غيرُ النصب أَوْلى. قال الزمخشري :" فإن قلت : في تحضيضهم على النهي عن الفسادِ معنى نَفْيه عنهم فكأنه قيل : ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ إلا قليلاً كان استثناءٌ متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابُه على أصلِ الاستثناء، وإن كان الأفصحُ أن يُرْفعَ على البدل " قلت : ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءةُ زيد بن علي " إلا قليلٌ " بالرفع، لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح، كقولِه :﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾
[النساء: ٦٦]. وقال الفراء :" المعنى : فلم يكن، لأن في الاستفهام ضرباً من الجَحْد " سَمَّى التحضيض استفهاماً. ونُقِل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّنَ اتصال هذا الاستثناء، كأنه لَحَظَ النفيَ.
و " مِن " في " مِمَّنْ أَنْجَيْنا " للتبعيض. ومنع الزمخشري أن تكونَ للتبعيض، بل للبيان فقال :" حقُّها أن تكون للبيان لا للتبعيض ؛ لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله عز وجل :﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قلت : فعلى الأول يتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل " قليلاً "، وعلى الثاني : يتعلَّق بمحذوف على سبيل البيان، أي : أعني.
قوله :﴿وَاتَّبَعَ﴾ العامَّةُ على " أتَّبع " بهمزة وصل وتاءٍ مشددة، وباء، مفتوحتين، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وفيه وجهان، أحدهما : أنه معطوفٌ على مضمر، والثاني : أن الواوَ للحال لا للعطف، ويتضح ذلك بقول الزمخشري :" فإن قلت : علامَ عَطَف قوله :﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ قلت : إنْ كان معناه :" واتَّبعوا الشهواتِ كان معطوفاً على مضمرٍ ؛ لأن المعنى : إلا قليلاً مِمَّن أنجينا منهم نُهُوا عن الفساد، واتَّبع الذين ظلموا شَهواتِهم، فهو عطفٌ على " نُهوا " وإن كان معناه : واتَّبعوا جزاء الإِتراف، فالواو للحال، كأنه قيل : أَنْجَيْنا القليل، وقد اتَّبَعَ الذين ظَلَموا جزاءهم ".
قلت : فجوَّز في قولِه :" ما أُتْرفوا " وجهين أحدُهما : أنه مفعولٌ مِنْ غيرِ حذفِ مضاف، و " ما " واقعة على الشهوات وما بَطِروا بسببه من النِّعَم، والثاني : أنه على حَذْفِ مضاف، أي : جزاء ما أترفوا، ورتَّب على هذين الوجهين القولَ في " واتَّبع " كما عرفت.
والإِتراف : إفعالٌ من التَّرف وهو النعمة يُقال : صبيٌّ مُتْرَفٌ، أي : مُنْعَم البدن، وأُتْرفوا : نَعِموا. وقيل : التُّرْفة : التوسُّع في النِّعْمة.
وقرأ أبو عمرو في روايةِ الجعفي وجعفر " وأُتبع " بضم همزة القطعِ وسكونِ التاء وكسر الباء مبنياً للمفعول، ولا بد حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف، أي : أُتْبِعوا جزاء ما أُتْرفوا فيه. و " ما " يجوز أن تكونَ بمعنى الذي، وهو الظاهرُ لعَوْد الضمير في " فيه " عليه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي : جزاءَ إترافهم.
قوله :﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها : أن تكونَ عطفاً على " أُتْرِفُوا " إذا جعلنا " ما " مصدريةً، أي : اتَّبَعوا إترافهم وكونَهم مجرمين. والثاني : أنه عطفٌ على " اتَّبع "، أي : اتَّبعوا شهواتِهم وكانوا مجرمين بذلك ؛ لأنَّ/ تابع الشهوات مغمورٌ بالآثام. الثالث : أن يكونَ اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون، ذكر ذلك الزمخشريُّ. قال الشيخ :" ولا يُسَمَّى هذا اعتراضاً في اصطلاح النحو ؛ لأنه آخرُ آيةٍ فليس بين شيئين يحتاج أحدُهما إلى الآخرِ ".