مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ﴾ فهلا كان وهو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ أولوا فضل وخير، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل. ويقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم :«في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا » ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض﴾ عجب محمداً عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطع أي ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. و«من » في ﴿ممن أنجينا﴾ للبيان لا للتبعيض لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله :﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: ١٦٥] ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ أي التاركون للنهي عن المنكر، وهو عطف على مضمر أي قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على « نهوا » ﴿مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون