بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلَوْلاَ كَانَ﴾ يعني : فهلا كان ﴿مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ *** بَقِيَّة﴾ يعني : ذوو بقية من آمن وقال مقاتل : يعني : فلم يكن من القرون من قبلكم ﴿أولو بقية﴾، يعني : ذو بقية من دين، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين ينهون عن الفساد في الأرض. وقال القتبي : فهلا أولو بقية من دين، يقال : قوم لهم بقية، إذا كان فيهم خير. قال القتبي : إذا رأيت «فلولا » بغير جواب، يريد به هلا، كقوله :﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] وقال بعض المفسرين : جعل «لولا » هاهنا. وفي سورة يونس، بمعنى لم. وقال الزجاج :﴿أولو بقية﴾ معناه : أولو تمييز، ويجوز أولو طاعة وفضل. ومعنى بقية : إذا قلت في فلان بقية، معناه : فيه فضل، فيما يمدح به.
﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطع، والمعنى : لكن قليلاً ممن أنجينا ممن ينهي عن الفساد. وروى سيف بن سليمان المكي، بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال :" إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العَامَّةَ بِعَمَلِ الخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أنْ يُنْكِرُوهُ، فَلاَ يُنْكِرُونَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَذَّبَ الخَاصَّةَ وَالعَامَّةَ ". ثم قال :﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ يقول : اشتغل الذين كفروا ﴿مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ يعني : ما أنعموا وأعطوا من المال. ويقال : ارتكبوا على ما خولوا في الدنيا، واشتغلوا عما سواها من أمر الآخرة ويقال :﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ يعني : السفلة، ﴿ما أترفوا في﴾، يعني : من أترفوا، وهم القادة والرؤساء. وقال الفراء : اتبعوا في دنياهم، ما عودوا من النعيم، وإيثار الدنيا على الآخرة. ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ يعني : مشركين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى