فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر بالرشاد، فقال :﴿فَلَوْلا﴾ أي : فهلا ﴿كَانَ مِنَ القرون﴾ الكائنة ﴿مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ من الرأي والعقل والدين ﴿يَنْهَوْنَ﴾ قومهم ﴿عَنِ الفساد فِي الأرض﴾ ويمنعونهم من ذلك، لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل، وقوّة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى. والبقية في الأصل لما يستبقيه الرجل مما يخرجه، وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله، فصار لفظ البقية مثلاً في الجودة، والاستثناء في ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منقطع : أي : لكن قليلاً ﴿ممن أنجينا منهم﴾ ينهون عن الفساد في الأرض. وقيل : هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي، فكأنه قال : ما كان في القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، ومن في ممن أنجينا بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون. قيل : هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر :﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ وقيل : هم أتباع الأنبياء وأهل الحق من الأمم على العموم ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ معطوف على مقدّر يقتضيه الكلام، تقديره : إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد. والمعنى : أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي عنه ما أترفوا فيه. والمترف : الذي أبطرته النعمة، يقال : صبيّ مترف : منعم البدن، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش، ورفاهية الحال وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا أعمارهم في الشهوات النفسانية ؛ وقيل المراد بالذين ظلموا : تاركو النهي. وردّ بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشدّ ظلماً ممن لم يباشر، وكان ذنبه ترك النهي. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه :«وأتبع الذين ظلموا » على البناء للمفعول، ومعناه : اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، وجملة :﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ متضمنة لبيان سبب إهلاكهم، وهي معطوفة على أترفوا : أي وكان هؤلاء الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين، والإجرام : الأثام. والمعنى : أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم الشهوات، واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها، ويجوز أن تكون جملة :﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على واتبع الذين ظلموا : أي اتبعوا شهواتهم، وكانوا بذلك الاتباع مجرمين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله :﴿فَلَوْلا﴾ قال : فهلا. وأخرج ابن مردويه، عن أبيّ بن كعب، قال : أقرأني رسول الله ﷺ : فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية، وأحلام، ينهون عن الفساد في الأرض. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج ﴿إِلاَّ قَلِيلاً ممَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ يستقلهم الله من كل قوم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ قال : في ملكهم وتجبرهم، وتركهم الحق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ من طريق ابن جريج، قال : قال ابن عباس : أترفوا فيه : أبطروا فيه.
وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن جرير، قال :«سمعت رسول الله يسأل عن تفسير هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" وأهلها ينصف بعضهم بعضاً " وأخرجه ابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق موقوفاً على جرير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال : أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قال : أهل الحق وأهل الباطل ﴿إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال : أهل الحق ﴿ولذلك خَلَقَهُمْ﴾ قال : للرحمة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عنه ﴿إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال : إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال : لا يزالون مختلفين في الأهواء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أي : اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية. وأخرج هؤلاء عن الحسن في الآية قال : الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف ﴿ولذلك خَلَقَهُمْ﴾ قال : للاختلاف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قال : أهل الباطل ﴿إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال : أهل الحق ﴿ولذلك خَلَقَهُمْ﴾ قال : للرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرجا عن الحسن قال : لا يزالون مختلفين في الرزق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ولذلك خلقهم قال : خلقهم فريقين : فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف، فذلك قوله :﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌ وَسَعِيد﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرسل مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال :﴿وَجَاءكَ فِي هذه الحق﴾ قال : في هذه السورة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير مثله أيضاً.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، قال : في هذه الدنيا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة ﴿اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ أي : منازلكم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج ﴿وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرينَ﴾ قال : يقول انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم، وفي قوله :﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ﴾ قال : فيقضي بينهم بحكم العدل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس في فضائل القرآن، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن كعب قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة هود ﴿وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض﴾ إلى آخر الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى