البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وقال مجاهد وقتادة : ذلك إشارة إلى الرحمة التي تضمنها قوله : إلا من رحم ربك، والضمير في خلقهم عائد على المرحومين.
وقال ابن عباس، واختاره الطبري : الإشارة بذلك إلى الاختلاف والرحمة معاً، فيكون على هذا أشير بالمفرد إلى اثنين كقوله :﴿عوان بين ذلك﴾ أي بين الفارض والبكر، والضمير في خلقهم عائد على الصنفين : المستثني، والمستثنى منه، وليس في هذه الجملة ما يمكن أن يعود عليه الضمير إلا الاختلاف كما قال الحسن وعطاء، أو الرحمة كما قال مجاهد، وقتادة، أو كلاهما كما قال ابن عباس.
وقد أبعد المتأولون في تقدير غير هذه الثلاث، فروي أنه إشارة إلى ما بعده.
وفيه تقديم وتأخير أي : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم أي لملء جهنم منهم، وهذا بعيد جداً من تراكيب كلام العرب.
وقيل : إشارة إلى شهود ذلك اليوم المشهود، وقيل : إلى قوله :﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ وقيل : إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقيل : إشارة إلى قوله :﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ وقيل : إشارة إلى العبادة، وقيل : إلى الجنة والنار، وقيل : للسعادة والشقاوة.
وقال الزمخشري : ولذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام، أولاً من التمكين والاختيار الذي عنه الاختلاف، خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره انتهى.
وهو على طريقة الاعتزال.
ولولا أن هذه الأقوال سطرت في كتب التفسير لضربت عن ذكرها صفحاً.
وتمت كلمة ربك أي : نفذ قضاؤه وحق أمره.
واللام في لأملأن، هي التي يتلقى بها القسم، أو الجملة قبلها ضمنت معنى القسم كقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبين﴾ ثم قال :﴿لتؤمنن به﴾ والجنة والجن بمعنى واحد.
قال ابن عطية : والهاء فيه للمبالغة، وإن كان الجن يقع على الواحد، فالجنة جمعه انتهى.
فيكون مما يكون فيه الواحد بغير هاء، وجمعه بالهاء لقول بعض العرب : كمء للواحد، وكمأة للجمع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى