اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ﴾ الآية.
لمَّا ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة، ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة.
أحدهما : تثبيت الفؤاد على أداء الرِّسالة، وعلى الصَّبر واحتمال الأذى ؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية، فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه ؛ كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول ﷺ هذه القصص، وعلم أنَّ حال جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه، وأمكنه الصبر عليه.
والفائدة الثانية : قوله ﴿وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى :﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ﴾ في نصبه أوجه :
أحدها : أنه مفعولٌ به، والمضاف إليه محذوفٌ، عوض منه التنوين، تقديره : وكلُّ نبأ نقصُّ عليك.
و " مِنْ أنباءِ " بيانٌ له أو صفةٌ إذا قُدِّر المضاف إليه نكرة.
وقوله :﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من :" كُلاًّ " وأن يكون خبر مبتدأ مضمر : أي : هو ما نُثَبِّتُ، أو منصوبٌ بإضمار أعني.
الثاني : أنه منصوبٌ على المصدر، أي : كلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، و " مِنْ أنباءِ " صفةٌ : أو بيان، و " ما نُثَبتُ " هو مفعول " نَقُصُّ ".
الثالث : كما تقدم، إلاَّ أنه يجعل " ما " صلة، والتقدير : وكلاًّ نقصُّ من أبناءِ الرُّسُل نُيَبِّتُبه فؤادك، كذا أعربه أبو حيان وقال : كَهِي في قوله :﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
الرابع : أن يكون " كُلاًّ " منصوباً على الحال من " ما نُثَبِّتُ " وهي في معنى :" جَمِيعاً " وقيل : بل هي حال من الضمير في " بِهِ " وقيل : بل هي حالٌ من " أنْبَاء " وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفش، فإنَّهُ يجيزُ تقديم حال المجرورِ بالحف عليه ؛ كقوله تعالى :﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] في قراءة من نصب " مَطويَّاتٍ " وقول الآخر :[ الكامل ]
رَهْطُ ابْنِ كُوزِ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْفِيهِمْ ورهْطُ رَبِيعةَ بْنِ حُذَارِ(١)
والمعنى : وكل الذي تحتاجُ إليه من أبناء الرسل، أي : من أخبارهم، وأخبار الأمم نقصها عليك ؛ لنثبت به فؤادك ؛ لنزيدك يقيناً، ونقوي قلبك، وذلك أنَّ النبي ﷺ إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصَّبْرِ لأذى قومه.
﴿وَجَآءَكَ فِي هذه الحق﴾ قال الحسنُ وقتادةُ : في هذه الدنيا(٢). وقال الأكثرون : في هذه السورة خص هذه السورة تشريفاً، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور.
وقيل : في هذه الآية.
والمراد به " الحق " البراهين الدَّالة على التَّوحيدِ والعدلِ والنبوة، " مَوْعظةٌ " أي : وجاءتك موعظة " وذكْرى للمُؤمنينَ " والمرادُ ب " الذكرى " الأعمال الباقية الصالحة في الدَّار الآخرة.
١ البيت للنابغة الذبياني. ينظر: ديوانه ص ٥٥ وجمهرة اللغة ص٨٢٥ والمقاصد النحوية ٣/١٧٠ وشرح الأشموني ١/٢٥٢ والخزانة ٦/٣٣٣ والدر المصون ٤/١٤٩..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/١٤٤) عن قتادة والحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٦٤٦) عن قتادة وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وذكره أيضا (٣/٦٤٦) عن الحسن وعزاه إلى أبي الشيخ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى