زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ﴾ قال الزجاج :﴿كلا﴾ منصوب ب ﴿نقص﴾، المعنى : كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. و ﴿ما﴾ منصوبة بدلا من كل، المعنى : نقص عليك ما نثبت به فؤادك ؛ ومعنى تثبيت الفؤاد تسكين القلب هاهنا، ليس للشك، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر، كان القلب أثبت.
قوله تعالى :﴿وَجَاءكَ في هذه الْحَقُّ﴾ في المشار إليه ب ﴿هذه﴾ أربعة أقوال :
أحدها : أنها السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وأبو العالية، ورواه شيبان عن قتادة.
والثاني : أنها الدنيا، فالمعنى : وجاءك في هذه الدنيا، رواه سعيد عن قتادة ؛ وعن الحسن كالقولين.
والثالث : أنها الأقاصيص المذكورة.
والرابع : أنها هذه الآية بعينها، ذكر القولين ابن الأنباري.
وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها البيان. والثاني : صدق القصص والأنباء. والثالث : النبوة.
فإن قيل : أليس قد جاءه الحق في كل القرآن، فلم خص هذه السورة ؟
فالجواب أنا إن قلنا : إن الحق النبوة، فالإشارة ب ﴿هذه﴾ إلى الدنيا فيكون المعنى : وجاءك في هذه الدنيا النبوة، فيرتفع الإشكال. وإن قلنا : إنها السورة، فعنه أربعة أجوبة :
أحدها : أن المراد بالحق البيان، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم، وشرح مآلهم، ما لم يجمع غيرها، فبان أثر التخصيص، وهذا مذهب بعض المفسرين.
والثاني : أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، ولهذا يقول الناس : فلان في الحق : إذا كان في الموت، وإن لم يكن قبله في باطل، ولكن لتعظيم ما هو فيه، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره، وهذا مذهب الزجاج.
والثالث : أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها، وإن كان في غيرها حق أيضا، فهو كقوله :﴿والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله :﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وهذا مذهب ابن الأنباري.
والرابع : أن المعنى : وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور، قاله ابن جرير الطبري.
قوله تعالى :﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي : يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى