المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
سبب هذه الآيات أن كفار قريش قالوا : يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك. وقالوا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال. فخاطب الله تعالى نبيه ﷺ على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفاً راداً على أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنى أنه ﷺ هم بشيء من ذلك فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان.
و ﴿لعلك﴾ ها هنا بمعنى التوقيف والتقرير، و ﴿ما يوحى إليك﴾ هو القرآن والشريعة والدعاء إلى الله تعالى كأن في ذلك سب آلهتهم وتسفيه آبائهم أو غيره ؛ ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قد عظم عليه ما يلقى من الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة ونحو هذا من الاعتقادات التي تليق به ﷺ، كما جاءت آيات الموادعة. وعبر ب ﴿ضائق﴾ دون ضيق للمناسبة في اللفظ مع ﴿تارك﴾، وإن كان ضيق أكثر استعمالاً لأنه وصف لازم، و ﴿ضائق﴾ وصف عارض فهو الذي يصلح هنا، والضمير في ﴿به﴾ عائد على «البعض »، ويحتمل أن يعود على «ها » و «أن » في موضع نصب على تقدير كراهة أن و «الكنز » ها هنا : المال وهذا طلبهم آية تضطر إلى الإيمان : والله تعالى لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار وإنما بعثهم بآيات النظر والاستدلال، ولم يجعل آية الاضطرار إلا للأمم التي قدر تعذيبها لكفرها بعد آية الاضطرار، كالناقة لثمود.
ثم أنسه تعالى بقوله :﴿إنما أنت نذير﴾، أي هذا القدر هو الذي فوض إليك، والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى