الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ : مبتدأٌ، و " كالأعمى " خبره، ثم هذه الكافُ يحتمل أن تكونَ هي نفسَ الخبر، فتقدَّر ب " مثل "، تقديرُه : مَثَلُ الفريقين مثلُ الأعمى. ويجوز أن تكون " مثل " بمعنى " صفة "، ومعنى الكاف معنى مِثْلِ، فيقدَّر مضافٌ محذوفٌ، أي : كمثل الأعمى. وقوله :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى﴾ يجوز أن/ يكونَ من باب تشبيه شيئين بشيئين، فقابل العمى بالبصَر، والصمم بالسمع وهو من الطِّباق، وأن يكونَ من تشبيهِ شيءٍ واحد بوصفَيْهِ بشيءٍ واحدٍ بوصفَيْهِ، وحينئذٍ يكون قولُه :" كالأعمى والأصمِّ " وقوله " والبصير والسميع " من باب عطف الصفات كقوله :
وقد أحسنَ الزمخشريُّ في التعبير عن ذلك فقال :" شبَّه فريق الكافرين بالأَعْمى والأصمِّ، وفريقَ المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللَّفِّ والطِّباق، وفيه معنيان : أن يُشَبِّه الفريقين تشبيهين اثنين، كما شبَّه امرؤ القيس قلوبَ الطير بالحَشَف والعُنَّاب، وأن يُشَبِّهَ بالذي جمع بين العمى والصَّمَم، والذي جمع بين البصر والسمع، على أن تكونَ الواوُ في " والأصمِّ " وفي " والسميع " لعطفِ الصفة على الصفةِ كقوله :
٢٦٥١. . . . . . . . . . . . . . . . . . ال *** صَابحِ فالغانِمِ فالآئِبِ
قلت : يريد بقوله " اللفّ " أنه لفَّ المؤمنين والكافرين اللذين هما مشبهان بقوله " الفريقين "، ولو فسَّرهما لقال : مَثَلُ الفريق المؤمن كالبصير والسميع، ومثل الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارةٌ مشهورة في علم البيان : لفظتان متقابلتان : اللفُّ والنشر، وأشارَ لقول امرىء القيس وهو :
أصلُ الكلامِ : كأن الرَّطْبَ من قلوب الطير : العُنَّابُ، واليابسَ منها : الحَشَفُ، فلفَّ ونشر، واللف والنشر في علم البيان تقسيمٌ كبير، ليس هذا موضعَه.
وأشار بقوله " الصابح فالغانم " إلى قوله :
وقد تقدَّم ذلك أولَ البقرة وتحريرُه.
فإن قلت : لِمَ قَدَّم تشبيهَ الكافر على المؤمن ؟ أجيب بأن المتقدِّمَ ذِكْرُ الكفار فلذلك قدَّم تمثيلهم. فإن قيل : ما الحكمةُ في العدولِ عن هذا التركيب لو قيل : كالأعمى والبصير والأصم والسميع لتتقابلَ كلُّ لفظةٍ مع ضدها، ويظهرَ بذلك التضادُّ ؟ أجيب : بأنه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعه بانسداد الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيهُ أحدُ الأقسامِ وهو تشبيهُ أمرٍ معقول بأمرٍ محسوس : وذلك أنه شبَّه عَمَى البصيرة وصَمَمها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردِّدٌ في ظُلَم الضلالات، كما أن هذا متحيِّز في الطرقات. وهذه فوائد علم البيان.
قوله :﴿مَثَلاً﴾ تمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل : هل يَسْتوي مَثَلُهما، كقوله تعالى :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم: ٤]. وجوَّز ابنُ عطية رحمه اللَّه أن يكون حالاً، وفيه بَعْدٌ صناعةً ومعنى ؛ لأنه على معنى " مِنْ " لا على معنى " في ".
| ٢٦٥٠ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ | ولَيْثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ |
٢٦٥١. . . . . . . . . . . . . . . . . . ال *** صَابحِ فالغانِمِ فالآئِبِ
قلت : يريد بقوله " اللفّ " أنه لفَّ المؤمنين والكافرين اللذين هما مشبهان بقوله " الفريقين "، ولو فسَّرهما لقال : مَثَلُ الفريق المؤمن كالبصير والسميع، ومثل الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارةٌ مشهورة في علم البيان : لفظتان متقابلتان : اللفُّ والنشر، وأشارَ لقول امرىء القيس وهو :
| ٢٦٥٢ كأنَّ قلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابِساً | لدى وكرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي |
وأشار بقوله " الصابح فالغانم " إلى قوله :
| ٢٦٥٣ يا ويحَ زَيَّابَةَ للحارثِ ال | صابحِ فالغانم فالآئِبِ |
فإن قلت : لِمَ قَدَّم تشبيهَ الكافر على المؤمن ؟ أجيب بأن المتقدِّمَ ذِكْرُ الكفار فلذلك قدَّم تمثيلهم. فإن قيل : ما الحكمةُ في العدولِ عن هذا التركيب لو قيل : كالأعمى والبصير والأصم والسميع لتتقابلَ كلُّ لفظةٍ مع ضدها، ويظهرَ بذلك التضادُّ ؟ أجيب : بأنه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعه بانسداد الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعه بانفتاح الأذن، وهذا التشبيهُ أحدُ الأقسامِ وهو تشبيهُ أمرٍ معقول بأمرٍ محسوس : وذلك أنه شبَّه عَمَى البصيرة وصَمَمها بعمى البصر وصمم السمع، ذاك متردِّدٌ في ظُلَم الضلالات، كما أن هذا متحيِّز في الطرقات. وهذه فوائد علم البيان.
قوله :﴿مَثَلاً﴾ تمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل : هل يَسْتوي مَثَلُهما، كقوله تعالى :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم: ٤]. وجوَّز ابنُ عطية رحمه اللَّه أن يكون حالاً، وفيه بَعْدٌ صناعةً ومعنى ؛ لأنه على معنى " مِنْ " لا على معنى " في ".