زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
ثم ضرب للفريقين مثلا، فقال :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كالأعمى والأصم﴾ قال مجاهد : الفريقان : المؤمن والكافر. فأما الأعمى والأصم فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو المؤمن. قال قتادة : الكافر عمي عن الحق وصم عنه، والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به. وقال أبو عبيدة : في الكلام ضمير، تقديره : مثل الفريقين كمثل الأعمى. وقال الزجاج : مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر.
قوله تعالى :﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ أي : هل يستويان في المشابهة ؟
والمعنى : كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله. وقال أبو عبيدة :" هَلُ " هاهنا بمعنى الإيجاب، لا بمعنى الاستفهام، والمعنى : لا يستويان. قال الفراء : وإنما لم يقل :" يَسْتَوُونَ " لأن الأعمى والأصم من صفة واحد، والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل : مررت بالعاقل واللبيب، وهو يعني واحدا، قال الشاعر :
فقال : أيهما. وإنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى يعرف، إذ المبتغي للخير متق للشر. وقال ابن الأنباري : الأعمى والأصم صفتان للكافر، والسميع والبصير صفتان للمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، كما تقول : العاقل والعالم، والظالم والجاهل، حضرا مجلسي، فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة، لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل، وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم، فلما كان المنعوتان اثنين، رجع الخبر إليهما، ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف، ألا ترى أنه يسوغ أن تقول : الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني، فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد، ولا يمتنع عطف النعوت على النعوت بحروف العطف، والموصوف واحد، فقد قال تعالى :﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة: ١١٢] ثم قال :﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ فلم يقتض دخول الواو وقوع خلاف بين الآمرين والناهين، وقد قيل : الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، وكان دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين، ويدل أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت والمنعوت واحد، كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان ابن عفان :
فنسق ابن عمرو على سعيد، وهو سعيد.
قوله تعالى :﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ أي : هل يستويان في المشابهة ؟
والمعنى : كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله. وقال أبو عبيدة :" هَلُ " هاهنا بمعنى الإيجاب، لا بمعنى الاستفهام، والمعنى : لا يستويان. قال الفراء : وإنما لم يقل :" يَسْتَوُونَ " لأن الأعمى والأصم من صفة واحد، والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل : مررت بالعاقل واللبيب، وهو يعني واحدا، قال الشاعر :
| وما أدري إذا يممت أرضا | أريد الخير أيهما يليني |
| يظن سعيد وابن عمرو بأنني | إذا سامني ذلا أكون به أرضى |