زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّي﴾ أي : على يقين وبصيرة. قال ابن الأنباري : وقوله :" إن كُنتُ " شرط لا يوجب شكا يلحقه، لكن الشك يلحق المخاطبين من أهل الزيغ، فتقديره : إن كنت على بينة من ربي عندكم. ﴿وآتاني رحمة من عنده﴾ فيها قولان. :
أحدهما : أنها النبوة، قاله ابن عباس. والثاني : الهداية، قاله مقاتل.
قوله تعالى :﴿فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم :" فَعميَتْ " بتخفيف الميم وفتح العين. قال ابن قتيبة : والمعنى : عميتم عنها، يقال : عمي علي هذا الأمر : إذا لم أفهمه، وعميت عنه بمعنى. قال الفراء : وهذا مما حولت العرب الفعل إليه، وهو في الأصل لغيره، كقولهم : دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما الإصبع تدخل في الخاتم، والرجل في الخف، واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم :" فَعُمّيَتْ " بضم العين وتشديد الميم. قال ابن الأنباري : ومعنى ذلك : فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء. وكذلك قرأ أبي بن كعب، والأعمش :" فعماها عليكم ".
وفي المشار إليها قولان : أحدها : البينة. والثاني : الرحمة.
قوله تعالى :﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي : أنلزمكم قبولها ؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، يقول : لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا. قال قتادة : والله لو استطاع نبي الله ﷺ لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك. وقيل : كان مراد نوح عليه السلام رد قولهم :﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ فبين فضله وفضل من آمن به بأنه على بينة من ربه، وقد آتاه رحمة من عنده، وسلب المكذبون ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى