المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿يا نوح. . .﴾، الآية معناه : قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة والمخاصمة والمقابلة بالأقوال حتى تقع الغلبة، وهو مأخوذ من الجدل وهو شدة الفتل ومنه : حبل مجدول، أي ممرّ(١)، ومنه قيل للصقر أجدل لشدة بنيته وفتل أعضائه ؛ و «الجدال » فعال، مصدر فاعل، وهو يقع من اثنين، ومصدر فاعل يجيء على فعال وفيعال ومفاعلة، فتركت الياء من فيعال ورفضت.
ومن الجدال ما هو محمود، وذلك إذا كان مع كافر حربي في منعته ويطمع في الجدال أن يهتدي، ومن ذلك هذه الآية، ومنه قوله تعالى :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾(٢) إلى غير ذلك من الأمثلة. ومن الجدال ما هو مكروه، وهو ما يقع بين المسلمين بعضهم في بعض في طلب علل الشرائع وتصور ما يخبر الشرع به من قدرة الله، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وكرهه العلماء، والله المستعان.
وقرأ ابن عباس «قد جادلتنا فأكثرت جَدلنا » بغير ألف، وبفتح الجيم، ذكره أبو حاتم(٣).
والمراد بقولهم ﴿ما تعدنا﴾ العذاب والهلاك، والمفعول الثاني ل ﴿تعدنا﴾ مضمر تقديره بما تعدناه. ولما كان الكلام يقتضي العذاب جاز أن يستعمل فيه الوعد.
١ - يقال: أمرّ الحبل بمعنى فتله وأحكم فتله، فهو ممرّ..
٢ - من الآية (١٢٥) من سورة (النحل)..
٣ - كقوله تعالى: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ من الآية (٥٤) من سورة (الكهف)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى