تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال نوح عليه السلام لقومه، قال له الحق سبحانه وتعالى :﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن(١) فلا تبتئس(٢) بما كانوا يفعلون ( ٣٦ )﴾ :
ومجيء " إلا " هنا ليس للاستثناء، ولكنها اسم بمعنى " غير " أي : لن يؤمن من قومك غير الذي آمن.
ولهذا نظير في قمة العقائد حين قال الحق سبحانه :﴿ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.. ( ٢٢ )﴾ [ الأنبياء ] : و " إلا " هنا أيضا بمعنى " غير "، ولو كانت " إلا " بمعنى الاستثناء لعنى ذلك أن الله سبحانه- معاذ الله- سيكون ضمن آلهة آخرين، لذلك لا يصلح هنا أن تكون " إلا " للاستثناء، بل هي بمعنى " غير "، وتفيد معنى الوحدانية لله عز وجل وتفرده بالألوهية.
والآية التي نتناولها بخواطرنا تؤكد أنه لا يوجد غير من آمن بنوح- عليه السلام- من قومه، سوف يؤمن ؛ فقد ختم الله المسألة.
وهذا يعطينا تبريرا لاجتراء نوح- عليه السلام- على الدعاء على الذين لم يؤمنوا من قومه بقوله :﴿... رب لا تذر(٣) على الأرض من الكافرين ديارا(٤) ( ٢٦ ) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( ٢٧ )﴾ [ نوح ] : وكان تبرير ذلك أنه عليه السلام قد دعاهم إلى الإيمان زمانا طويلا فلم يستجيبوا، وأوحى له الله تعالى أنهم لن يؤمنوا. وقال له سبحانه :﴿.. فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ( ٣٦ )﴾[ هود ] : والابتئاس هو الحزن المحبط، وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب.
١ - عن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسا. وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كان نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث، وكنائنه الأربع، نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام. انظر تفسير ابن كثير (٢/٤٤٥)..
٢ - ابتأس الرجل: اكتأب وحزن. ولا تبتئس: لا تحزن. يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه والابتئاس: الحزن في استكانة. [لسان العرب- مادة: بأس]..
٣ - يذره: يتركه ويدعه. وهذا الفعل لم يستعمل منه في القرآن الكريم إلا المضارع والأمر، فمن المضارع قوله تعالى: ﴿أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض..(١٢٧)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم..(٢٣)﴾ [نوح] أي: لا تتركن آلهتكم. ومن الأمر قوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا (١١)﴾ [المدثر] أي: اتركني أنتقم منه وأعاقبه على جرائمه ضد الدين والقرآن، وهو أسلوب تهديد ووعيد [القاموس القويم]..
٤ -الديار: من يسكن الدار، أو من يتحرك فيها ويدور فيها بحرية، ويقال: ما بالدار ديار، أي: ما فيها أحد. وقوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (٢٦)﴾ [نوح]. أي: لا تترك أحدا منهم حيا. [القاموس القويم] بتصرف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى