الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿وفار التنور﴾ نبع الماء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وفار التنور﴾ قال : إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال : كان تنوراً من حجارة، كان لحوّاء عليها السلام حتى صار إلى نوح عليه السلام، فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بين دعوة نوح عليه السلام وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة، وكان فار التنور بالهند، وطافت سفينة نوح عليه السلام بالبيت أسبوعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وفار التنور﴾ قال : العين التي بالجزيرة عين الوردة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة.
وأخرج أبو الشيخ عن حبة العربي قال : جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال إني قد اشتريت راحلة وفرغت من زادي أريد بيت المقدس لأصلي فيه، فإنه قد صلى فيه سبعون نبياً ومنه فار التنور، يعني مسجد الكوفة.
وأخرج أبو الشيخ من طريق الشعبي رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن مسجدكم هذا لرابع أربعة من مساجد المسلمين، ولركعتان فيه أحب إليّ من عشر فيما سواه إلا المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي بن إسماعيل الهمداني قال : لقد نجر نوح سفينته في وسط هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - وفار التنور من جانبه الأيمن، وإن البرية منه لعلى اثني عشر ميلاً من حيث ما جنبه، ولصلاة فيه أفضل من أربع في غيره إلا المسجدين مسجد الحرام، ومسجد الرسول بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التنور وجه الأرض قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه ﴿وفار التنور﴾ قال : وجه الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التنور أعلى الأرض وأشرفها، وكان علماً فيما بين نوح وبين ربه عز وجل.
وأخرج أبو الشيخ عن بسطام بن مسلم قال : قلت لمعاوية بن قرة أن قتادة رضي الله عنه إذا أتى على هذه الآية قال : هي أعلى الأرض وأشرفها فقال : الله أعلم، أما أنا فسمعت منه حديثين فالله أعلم. قال بعضهم : فار منه الماء. وقال بعضهم فارت من النار، وفار التنور بكل لغة التنور.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿وفار التنور﴾ قال : طلع الفجر. قيل له : إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي ﴿وفار التنور﴾ قال : تنور الصبح.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ قال : في كلام العرب، يقولون للذكر والأنثى : زوجان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال : أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين ومعه ملك فجعل يقبض زوجاً زوجاً وبقي العنب، فجاء إبليس فقال : هذا كله لي. فنظر نوح عليه السلام إلى الملك فقال : إنه لشريكك فأحسن شركته. فقال : نعم، لي الثلثان وله الثلث. قال : إنه شريكك فأحسن شركته فقال : لي النصف وله النصف. فقال إبليس : هذا كله لي. فنظر إلى الملك فقال : إنه شريكك فأحسن شركته. قال : نعم، لي الثلث وله الثلثان. قال : أحسنت وأني محسان، أنت تأكله عنباً وتأكله زبيباً وتشربه عصيراً ثلاثة أيام. قال مسلم : وكان يرون أنه إذا شربه كذلك فليس للشيطان نصيب.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال : لما ركب نوح عليه السلام السفينة كتب له تسمية ما حمل معه فيها، فقال : إنكم قد كتبتم الحبلة وليست ههنا. قالوا : صدقت أخذها الشيطان، وسنرسل من يأتي بها. فجيء بها وجاء الشيطان معها، فقيل لنوح : إنه شريكك فأحسن شركته. فذكر مثله وزاد بعد قوله : تشربه عصيراً وتطبخه، فيذهب ثلثاه خبثاً وحظ الشيطان منه، ويبقى ثلثه فتشربه.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما حمل نوح عليه السلام الأسد في السفينة قال : يا رب إنه يسألني الطعام من أين أطعمه ؟ قال : إني سوف أعقله عن الطعام. فسلط الله عليه الحمى، فكان نوح عليه السلام يأتيه بالكبش فيقول : ادر يأكل فيقول الأسد : آه.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر وابن النجار في تاريخهما عن مجاهد رضي الله عنه قال : مر نوح عليه السلام بالأسد وهو في السفينة فضربه برجله فخمشه الأسد فبات ساهراً، فبكى نوح من ذلك فأوحي إليه إنك ظلمته وإني لا أحب الظلم.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً « مر نوح بأسد رابض فضربه برجله، فرفع الأسد رأسه فخمش ساقه، فلم يبت ليلته مما جعلت تضرب عليه وهو يقول : يا رب كلبك عقرني. فأوحى الله إليه أن الله لا يرضى الظلم أنت بدأته. قال ابن عدي : هذا الحديث بهذا الإِسناد باطل، وفيه جعفر بن أحمد الغافقي يضع الحديث ».
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوقاً وبدا حياها، ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياها.
وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال : أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين، فحمل معه من اليمن العجوة واللوز.
وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال : لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل من كل زوجين اثنين قال : كيف أصنع بالأسد والبقرة ؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب ؟ وكيف أصنع بالحمام والهر ؟ قال : من ألقى بينهما العداوة ؟ قال : أنت يا رب. قال : فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون.
وأخرج ابن عساكر عن خالد رضي الله عنه قال : لما حمل نوح في السفينة ما حمل، جاءت العقرب تحجل قالت : يا نبي الله أدخلني معك. قال : لا أنت تلدغين الناس وتؤذينهم قال : لا احملني معك، فلك علي أن لا ألدغ من يصلي عليك الليلة.
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ « من قال حين يمسي : صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة ».
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن عذاء والضحاك. أن إبليس جاء ليركب السفينة فدفعه نوح فقال : يا نوح إني منظر ولا سبيل لك علي. فعرف أنه صادق فأمره أن يجلس على خيزران السفينة، وكان آدم قد أوصى ولده أن يحملوا جسده، فورثهم في ذلك نوح، فتوارث الوصية ولده حتى حملها نوح، فوضع جسد آدم عليه السلام بين الرجال والنساء.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال : لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة. . . ! فقال له نوح عليه السلام : ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك. ؟ ! قال له إبليس : فما أصنع ؟ قال : تتوب. قال : فسل ربك هل لي من توبة ؟ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم. قال : قد جعلت لك توبة قال : وما هي ؟ قال : تسجد لقبر آدم.
قال : تركته حياً وأسجد له ميتاً ؟ !.
وأخرج النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه. أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم قال : هذا لي. وقال : هذا لي. فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها.
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن علي رضي الله عنه مرفوعاً « أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر ».
وأخرج إسحق بن بشر أخبرنا رجل من أهل العلم. أن نوحاً عليه السلام حمل في السفينة من الهدهد زوجين، وجعل أم الهدهد فضلاً على زوجين فماتت في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً ليدفنها فيه فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر، فذلك ثناء أقفية الهداهد «. وأخرجه ابن عساكر.
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أعطى الله نوحاً عليه السلام في السفينة خرزتين أحدها بياضها كبياض النهار والأخرى سوادها كسواد الليل، فإذا أمسوا غلب مواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر الساعات الاثني عشر، فأول من قدر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضها على بعض نوح عليه السلام في السفينة ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة من مكانه حتى أخذت إلى اليمين فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخذت على الروم، ثم جاوزت الروم فأقبلت راجعة على حيال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام : أنها تستوي على رأس جبل فعلت الجبال لذلك، فتطلعت لذلك وأخرجت أصولها من الأرض وجعل جودي يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورست، فشكت الجبال إلى الله فقالت : يا رب إنا تطلعنا وأخرجنا أصولنا من الأرض لسفينة نوح، وخنس جودي فاستوت سفينة نوح عليه. فقال الله : إني كذلك من تواضع لي رفعته، ومن ترفع لي وضعته، ويقال : إن الجودي من جبال الجنة. فلما أن كان يوم عاشوراء استوت السفينة عليه وقال الله : يا أرض ابلعي ماءك بلغة الحبشة، ويا سماء أقلعي أي أمسكي بلغة الحبشة، فابتلعت الأرض ماءها وارتفع ماء السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه : أن ارجع فإنك رجس وغضب. فرجع الماء فملح وحم وتردد فأصاب الناس منه الأذى، فأرسل الله الريح فجمعه في مواضع البحار فصار زعاماً مالحاً لا ينتفع به، وتطلع نوح فنظر فإذا الشمس قد طلعت وبدا له اليد من السماء، وكان ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل أمان من الغرق، واليد القوس الذي يسمونه قوس قزح، ونهي أن يقال له قوس قزح لأن قزح شيطان وهو قوس الله، وزعموا أنه كان يمتد وتروسهم قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أماناً لأهل الأرض من الغرق نزع الله الوتر والسهم، فقال نوح عليه السلام عند ذلك : رب إنك وعدتني أن تنجي معي أهلي وغرق ابني، و ﴿إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٥] يقول : إنه ليس من أهل دينك إن عمله كان غير صالح. قال : اهبط بسلام منا. فبعث نوح عليه السلام من يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهلي وقال : أنا. فأخذها وختم جناحيها فقال : أنت مختومة بخاتمي لا تطير أبداً ينتفع بك ذريتي. فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها، فاحتبس فلعنه فمن ثَمَّ يقتل في الحرم، وبعث

تفسير هذه الآية من كتب أخرى