بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾ يعني : قولنا بالعذاب، ويقال : عذابنا، وهو الغرق ﴿وَفَارَ التنور﴾ يعني : نبع الماء من أسفل التنور. وقال مقاتل : التنور الذي يخبز فيه في أقصى داره بالشام. وقال ابن عباس :﴿وفار التنور﴾، يعني : نبع الماء من وجه الأرض. وقال علي بن أبي طالب : يعني : طلوع الفجر، أي تنوير الصبح، يعني : إذا طلع الفجر، كان وقت الهلاك. وروي عن عليّ رضي الله عنه أيضاً أنه قال : فار منه التنور وجرت منه السفينة، أي مسجد الكوفة ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا﴾ يعني : في السفينة ﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ يعني : من كل صنفين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ يعني : واحمل أهلك فيها معك ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ بالغرق، يعني : سوى من قدرت عليه الشقاوة والكفر، فلا تحمله، يعني : امرأته الكافرة وابنه كنعان، ﴿وَمَنْ ءامَنَ﴾ معه، يعني : احمل في السفينة من آمن معك.
قال الفقيه : أخبرني الثقة، بإسناده عن وهب بن منبه، قال : أمر نوح بأن يحمل من كل زوجين اثنين، فقال : رب كيف أصنع بالأسد والبقرة ؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب ؟ وكيف أصنع بالحمام والهرة ؟ قال : يا نوح من ألقى بينهم العداوة ؟ قال : أنت يا رب، قال : فإني أؤلف بينهم حتى يتراضوا.
قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد، قال : حدثنا الماسرخسي، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال : كثر الفأر في السفينة، حتى خافوا على حبال السفينة، فأوحى الله تعالى إلى نوح، أن امسح عن جبهة الأسد، فمسحها فعطس، فخرج منها سنوران، فأكلا الفأر.
وكثرت العذرة في السفينة، فشكوا إلى نوح، فأوحى الله تعالى إلى نوح : أن امسح ذنب الفيل، فمسحه فخرج خنزير، فأكل العذرة. وفي خبر آخر فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة. قال الفقيه، أبو الليث رحمه الله : في خبر وهب بن منبه دليل أن الهرة، كانت من قبل. وفي هذا الخبر أن الهرة لم تكن من قبل، والله أعلم بالصواب منهما.
وروي عن ابن عباس أنه قال : لما فار الماء من التنور، فأرسل الله تعالى من السماء بمطر شديد، فأقبلت الوحوش حتى أصابتها السماء إلى نوح، وسخرت له فحمل في السفينة من كل طير زوجين، ومن كل دابة زوجين، ومن كل بهيمة زوجين، ومن كل سبع زوجين، يعني : الذكر والأنثى. فقال نوح : رب هذه الحية والعقرب، كيف أصنع بهما ؟ فبعث الله تعالى جبريل، فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحية. وكان نوح جعل للسفينة ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض، فجعل في الباب الأسفل : السباع والهوام، وجعل في الباب الأوسط : البهائم والوحوش، وجعل في الباب الأعلى : بني آدم من ذكر منهم.
فذلك قوله تعالى :﴿وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال ابن عباس : هم ثمانون إنساناً، وقال الأعمش في قوله :﴿وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ كان نوح، وثلاث بنين، ونساؤهم. وقال مقاتل : كانوا أربعين رجلاً، وأربعين امرأة. قرأ عاصم في رواية حفص :﴿مِن كُلّ﴾ بالتنوين، يعني : من كل شيء، ثُمَّ قال ﴿زَوْجَيْنِ﴾ على وجه التفسير للكل، وقرأ الباقون :﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ﴾ بغير تنوين على معنى الإضافة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى