الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ : فيه أقوالٌ، أحدها : أنه استثناءٌ منقطع، وذلك أن تَجْعَلَ عاصماً على حقيقته، ومَنْ رَحِم هو المعصوم، وفي " رَحِم " ضميرٌ مرفوعٌ يعود على اللَّه تعالى، ومفعولُه ضميرُ الموصولِ وهو " مَنْ " حُذِف لاستكمالِ الشروط، والتقدير : لا عاصمَ اليومَ البتةَ مِنْ أمر اللَّه، لكن مَنْ رَحِمه اللَّه فهو معصوم. الثاني : أن يكونَ المرادُ ب " مَنْ رَحِم " هو الباري تعالى كأنه قيل : لا عاصمَ اليومَ إلا الراحمَ. الثالث : أن عاصماً بمعنى مَعْصوم، وفاعِل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو : ماء دافق، أي : مدفوق، وأنشدوا :
٢٦٦٦ بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلامِ أَمْسى فؤادي به فاتِنا
أي مفتوناً، و " مَنْ " مرادٌ بها المعصومُ، والتقدير : لا معصومَ اليومَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إلا مَنْ رحمه اللَّه فإنه يُعْصَم. الرابع : أن يكون " عاصم " هنا بمعنى النَّسَب، أي : ذا عِصْمة نحو : لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمرادُ به هنا المَعْصوم.
وهو على هذه التقاديرِ استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشري متصلاً لمَدْرك آخرَ، وهو حذفُ مضافٍ تقديرُه : لا يعصمك اليومَ معتصِمٌ قط مِنْ جبلٍ ونحوِه سوى معتصمٍ واحد، وهو مكان مَن رحمهم اللَّه ونجَّاهم، يعني في السفينة ".
وأمَّا خبرُ " لا " فالأحسنُ أن يُجْعل محذوفاً، وذلك لأنه إذا دلَّ عليه دليلٌ وَجَبَ حذفُه عند تميم، وكَثُر عند الحجاز، والتقدير : لا عاصمَ موجودٌ. وجَوَّز الحوفي وابن عطية أن يكون خبرُها هو الظرف وهو اليوم. قال الحوفي :" ويجوز أن يكونَ " اليوم " خبراً فيتعلَّق قالاستقرار، وبه يتعلق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. وقد رَدَّ أبو البقاء ذلك فقال :" فأمَّا خبرُ " لا " فلا يجوز أن يكونَ " اليوم " ؛ لأنَّ ظرفَ الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، بل الخبر ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ و " اليوم " معمولُ ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
وأمَّا " اليومَ " و ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ فقد تَقدَّم أن بعضهم جَعَل أحدَها خبراً، فيتعلَّقُ الآخر بالاستقرار الذي يتضمنَّه الواقعُ خبراً. ويجوز في " اليوم " أن يتعلَّقَ بنفس ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لكونِه بمعنى الفعل. وجَوَّز الحوفي أن يكون " اليوم " نعتاً ل " عاصم "، وهو فاسدٌ بما أفسدَ بوقوعِه خبراً عن الجثث.
وقُرىء ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ مبنياً للمفعول، وهي مقويةٌ لقولِ مَنْ يَدَّعي أنَّ " مَنْ رَحِم " في قراءة العامة المرادُ به المرحوم لا الراحم، كما تقدَّم تأويلُه. ولا يجوز أن يكون " اليوم " ولا ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ متعلِّقين ب " عاصم " وكذلك الواحد منهما ؛ لأنه كان يكون الاسمُ مطوَّلاً، ومتى كان مطوَّلاً أُعْرِبَ، ومتى أُعرب نُوِّن، ولا عبرةَ بخلاف الزجاج : حيث زعم أن اسمَ " لا " معربٌ حُذِفَ تنوينُه تخفيفاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى