جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفا عليه من الغرق : سآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُني منَ الماءِ يقول : سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء، فيمنعني منه أن يغرقني. ويعني بقوله : يَعْصِمُني يمنعني، مثل عصام القربة الذي يشدّ به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها. وقوله : لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللّهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ يقول : لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك إلا من رَحِمنا فأنقَذَنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم. ف «من » في موضع رفع، لأن معنى الكلام : لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله إلا الله.
وقد اختلف أهل العربية في موضع «مَنْ » في هذا الموضع، فقال بعض نحويي الكوفة : هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم قال : كأن نصبه بمنزلة قوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ إلاّ اتّباعَ الظّنّ قال : ومن استجاز «اتباعُ الظن » والرفعَ في قوله :
| وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِها أنِيسُ | إلاّ اليَعافِيرُ وَإلاّ العِيسُ |
| دعَ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها | وَاقْعُدْ فإنّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي |
وقوله : وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ يقول : وحال بين نوح موج الماء، فغرق، فكان ممن أهلكه الله بالغرق من قوم نوح ﷺ. )
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وهي تجري بهم)، والفلك تجري بنوح ومن معه فيها = (في موج كالجبال ونادى نوح ابنه)، يام = (وكان في معزل)، عنه، لم يركب معه الفلك: (يا بني اركب معنا)، الفلك = (ولا تكن مع الكافرين).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: (ساوي إلى جبل يعصمني من الماء) يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء، (١) فيمنعني منه أن يغرقني.
* * *
ويعني بقوله: (يعصمني) يمنعني، مثل "عصام القربة "، الذي يشدُّ به رأسها، فيمنع الماء أن يسيل منها. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير " يعصم " فيما سلف ١٠: ٤٧٢، تعليق: ٢ / ١٥: ٧٣.
* * *
= ف "من" في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.
* * *
وقد اختلف أهل العربية في موضع "من" في هذا الموضع.
فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم. قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [سورة النساء: ١٥٧]، قال: ومن استجاز: (اتِّباعُ الظَّنِّ)، والرفع في قوله: (١)
| وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ | إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ (٢) |
(٢) سلف البيت وتخريجه فيما مضى ٩: ٢٠٣.
(٣) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء، وهو نص كلامه.
| دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا | وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي (٢) |
* * *
وقال بعض نحويّي البصرة: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)، على: "لكن من رحم"، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي: معصوم، ويكون (إلا من رحم)، رفعًا بدلا من "العاصم".
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.
ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل "عاصمًا" في معنى "معصوم"، ولا أن نجعل "إلا" بمعنى "لكن"، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: "لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله" = " ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد".
(٢) ديوانه: ٥٤، وطبقات فحول الشعراء: ٩٨، واللسان (طعم)، (كسا)، ومعاني القرآن للفراء، وغيرها كثير، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان، واستعدى عليه عمر بن الخطاب، وقال عمر لحسان: أهجاه؟ قال: لا، ولكنه ذرق عليه! وقد فسرته على أن " الطاعم " و" الكاسي "، على النسب، أي: ذو الطعام، يشتهيه ويستجيده من شرهه = وذو الكسوة، يتخيرها ويتأنق فيها، لا هم له في المكارم. ولذلك قال الزبرقان لعمر: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان:
| إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُم | أَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا |