الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قِيلَ ينُوحُ﴾ : الخلافُ المتقدم في قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ﴾ [البقرة: ١٣] وشبهِه عائدُ هنا، أي : في كونِ القائمِ مقامَ الفاعل الجملة المحكيةَ أو ضميرَ مصدرِ الفعل.
قوله :﴿بِسَلاَمٍ﴾ حال من فاعل " اهبط "، أي : ملتسباً بسلام. و " منا " صفةٌ ل " سلام " فيتعلَّق بمحذوف أو هو متعلقٌ بنفسِ سلام، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، وكذلك " عليك " يجوز أن يكونَ صفةً لبركات أو متعلقاً بها.
قوله :﴿مِّمَّن مَّعَكَ﴾ يجوزُ في " مَنْ " أن تكونَ لابتداء الغاية، أي : ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر، ويجوزُ أن تكونَ " مِنْ " لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعاتٍ. وقُرىء " اهبُط " بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة. وقرأ الكسائي فيما نُقِل عنه " وبركة " بالتوحيد.
قوله :﴿وأُمَمٍ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و " سنمتِّعهم " خبره، وفي مسوِّغ الابتداءِ وجهان، أحدهما : الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ : وأممٌ منهم، أي : ممَّن معك كقولهم " السَّمْن مَنَوان بدرهم " فمنوان مبتدأٌ وُصِف ب " منه " تقديراً. والثاني : أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو :" الناسُ رجلان : رجلٌ أَهَنْتُ، وآخَرُ أكرمتُ " ومنه قولُ امرىء القيس :
٢٦٧٠ إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ لهبشقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّل
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في " اهبط " وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء قال الشيخ :" وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله :" ومَنْ آمنَ " ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورِين بالهبوط، إلا إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ ". قلت : وقد تقدَّم أنَّ مثلَ ذلك لا يجوز، في قول ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] لأمرٍ صناعي، و " سنمتِّعُهم " على هذا صفةٌ ل " أمم "، والواوُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش :" كما تقول :" كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس " ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَق ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى