اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لمَّا قال :" وإن تولَّوْا " عن عبادة الله وطاعته، بيَّن بعده صفة ذلك التولي فقال :﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ يعني الكُفَّار ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يقال : ثنيت الشَّيء إذا عطفته وطويته.
وقرأ الجمهور : بفتح الياء وسكون الثَّاء المثلثة، وهو مضارع " ثَنَى يَثْني ثَنْياً "، أي طوى وَزَوى، و " صُدُورهم " مفعول به، والمعنى : يَحْرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله، والأصل " يَثْنِيُونَ " فأُعِلَّ بحذف الضَّمةِ عن الياء، ثُمَّ تحذفُ الياءُ لالتقاءِ الساكنين.
وقرأ سعيدُ(١) بن جبير " يُثْنُون " وهو مضارع " أثْنَى " كأكرم.
واستشكل النَّاسُ هذه القراءة فقال أبُو البقاءِ : ماضيه أثنى، ولا يعرفُ في اللغةِ، إلاَّ أنْ يقال : معناه عرضُوها للانثناء، كما يقال : أبعت الفرسَ : إذا عرضته للبيع.
وقال صاحبُ اللَّوامِحِ : ولا يعرفُ الإثناء في هذا الباب، إلاَّ أن يرادَ به، وجدتُهَا مثْنِيَّة، مثل أحْمَدْتُه وأمْجَدْتُه، ولعلَّه فتح النون، وهذا ممَّا فعل بهم فيكون نصب " صُدُورَهُم " بنزع الخافض، ويجُوزُ على ذلك أن يكون " صُدُورَهُم " رفعاً على البدل بدل البعض من الكُلِّ يعني بقوله : ولعلَّهُ فتح النُّونِ أي : ولعل ابن جبير قرأ ذلك بفتح نونِ " يُثْنَون " فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قوله : وهذا ممَّا فعل بهم أي وجدوا كذلك، فعلى هذا يكونُ " صُدورهُم " منصُوباً بنزعِ الخافضِ، أي : في صدورهم، أي يوجدُ الثَّنْيُ في صدورهم، ولذلك جوَّز رفعهُ على البدل كقولك : ضُربَ زيدٌ الظَّهْرُ. ومنْ جوَّز تعريف التمييز لا يبعدُ عنده أن ينتصب " صُدُورهُم " على التَّمييز بهذا التقدير الذي قدَّرهُ.
وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وعليُّ بنُ الحسين(٢)، وابناه زيد، ومحمد، وابنه جعفر، ومجاهد، وابن يعمر، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبو الأسود " تَثنَوْني " مضارع " اثْنَوْنَى " على وزنِ " افْعَوْعَلَ " من الثَّنْي كاحْلَوْلى من الحَلاوةِ وهو بناءُ مبالغةٍ، " صُدُورهُم " بالرَّفع على الفاعلية.
ونُقل عن ابن(٣) عباس وابن يعمر ومجاهد وابن أبي إسحاق :" يَثْنَوْنَى صدورهم " بالياءِ والتَّاءِ ؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ ؛ فجاز تذكيرُ الفعل باعتبار تأويل فاعله بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويل فاعله بالجماعةِ.
وقرأ ابنُ عبَّاس(٤) أيضاً وعروة وابن أبزى والأعمش " تَثْنَوِنُّ " بفتح التاء وسكون الثَّاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصل :" تَثْنَوْنِنُ " بوزن " تَفْعَوْعِلُ " من الثِّنُّ وهو ما هشَّ وضعف من الكَلأ، يريد مطاوعة نفوسهم للثَّنْي كما يثنى الهَشُّ من النَّبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم.
و " صدورهم " بالرَّفع على الفاعلية.
وقرأ مجاهدٌ وعروة أيضاً كذلك، إلاَّ أنَّهما جعلا مكان(٥) الواو المسكورة همزة مكسورة فأخرجاها مثل " تطمئن ".
وفيها تخريجان :
أحدهما : أنَّ الواو قُلبتْ همزة لاستثقال الكسرة عليها، ومثله إعاء وإشاح في وعاء ووشاح، لمَّا استثقلوا الكسرة على الواوِ أبدلوها همزة.
والثاني : أن وزنه " تَفْعَيِيلٌ " من الثِّن وهو ما ضعف من النَّبات كما تقدَّم، وذلك أنَّهُ مضارع ل " اثْنَان " مثل احْمَارَّ واصفارَّ، وقد تقدَّم [يونس: ٢٤] أن من العرب من يقلبُ مثل هذه الألف همزة ؛ كقوله :[ الطويل ]
. . . ***. . . بالعَبِيطِ ادْهَأمَّتِ(٦)
فجاء مضارع " اثْنَأنَّ " على ذلك كقولك احْمَأرَّ يَحمَئِرُّ كاطمأنَّ يَطْمَئِنُّ.
وأمَّا " صُدورُهم " فبالرَّفع على ما تقدَّم.
وقرأ الأعمش أيضاً تَثْنَؤُونَ بفتح الياء(٧) وسكون المثلثة وفتح النون وهمزة مضمومة وواوٍ ساكنةٍ بزنة تَفْعَلُون كَتَرْهَبُون. صُدورَهُم بالنَّصْبِ.
قال صاحبُ اللَّوامِحِ : ولا أعرف وجهه يقال :" ثَنَيْتُ " ولم أسمعْ " ثَنَأتُ "، ويجوز أنَّهُ قلب الياء ألفاً على لغةِ من يقول :" أعْطات " في " أعْطَيْتُ "، ثُمَّ همز الألف على لغةِ من يقول :﴿ولا الضَّأْلين﴾ [الفاتحة: ٧].
وقرأ ابنُ عبَّاس أيضاً - رضي الله عنهما(٨) - " تَثْنَوِى " بفتح التَّاءِ وسكون المثلثة، وفتح النُّونِ وكسر الواو بعدها ياءٌ ساكنةٌ بزنة " تَرْعَوِى " وهي قراءةٌ مشكلة جداً حتَّى قال أبو حاتم : وهذه القراءة غلطٌ لا تتجه، وإنَّما قال إنَّها غلطٌ ؛ لأنَّه لا معنى للواوِ في هذا الفعل إذ لا يقالُ : ثَنَوْتُهُ فانْثَوَى كرعَوْتُه، أي : كففته فارعَوَى، أي : فانكفَّ، ووزنه افعلَّ كاحْمَر.
وقرأ نصرُ بنُ عاصمٍ وابنُ(٩) يعمر وابن أبي إسحاق " يَنْثُونَ " بتقديم النُّون السَّاكنة على المثلثة.
وقرأ ابنُ عباس أيضاً(١٠) " لَتَثْنَونِ " بلام التأكيد في خبر " إنَّ " وفتح التَّاءِ وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو بعدها نونٌ مكسورةٌ وهي بزنة " تَفْعَوْعِلُ "، كما تقدَّم إلاَّ أنَّها حذفت الياء، التي هي لامُ الفعل تخفيفاً كقولهم : لا أدْرِ وما أدْرِ. و " صُدورهم "، فاعل كما تقدم.
وقرأ طائفة(١١) :" تَثنؤنَّ " بفتح التَّاءِ ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نُون مفتوحةٍ ثم همزة مضمومةٍ ثم نون مشددة، مثل تَقْرَؤنَّ، وهو مِنْ ثَنَيْتُ، إلاَّ أنَّه قلب الياءَ واواً ؛ لأنَّ الضمة تُنافِرُهَا، فجعلت الحركةُ على مُجانِسها، فصار اللفظُ " تَثْنَوونَ " ثم قلبت الواوُ المضمومةُ همزة كقولهم :" أجُوه " في " وُجُوه " و " أقِّتَتْ " في " وقِّتَت " فصار " تَثْنَؤونَ "، فلمَّا أكَّد الفعل بنونِ التَّوكيد حذفت نونُ الرَّفع فالتقى ساكنان : وهما واوُ الضمير والنون الأولى من نون التَّوكيد، فحذفت الواو وبقيت الضَّمةُ تدلُّ عليها ؛ فصار " تَثْنَؤنَّ " كما ترى و " صُدورَهُم " منصوب مفعولاً به فهذه إحدى عشرةَ قراءةً مضبوطة.
قوله تعالى :﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : أنَّ هذه اللاَّم متعلقةٌ ب " يَثْنُونَ " كذا قاله الحوفيُّ، والمعنى : أنَّهم يفعلون ثَنْي الصُّدور لهذه العلةِ. وهذا المعنى منقولٌ في التفسير ولا كلفة فيه.
والثاني : أنَّ اللاَّم متعلقةٌ بمحذوفٍ.
قال الزمخشريُّ :" لِيَسْتخُفُوا منهُ " يعنى ويريدون : ليستَخْفُوا من الله فلا يطلعُ رسوله والمؤمنون على ازْورَارهِمْ، ونظيرُ إضمار " يريدون " لعود المعنى إلى إضماره الإضمارُ في قوله :﴿أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق﴾ [الشعراء: ٦٣] معناه :" فضرب فانفلق ".
قال شهاب الدين(١٢) : وليس المعنى الذي يقُودُنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا، لأنَّ ثمَّ لا بد من حذف معطوفٍ يُضْطَر العقلُ إلى تقديره ؛ لأنَّهُ ليس من لازم الأمْرِ بالضَّرْبِ إنفلاقُ البحر فلا بُدَّ أن يُتَعَقَّل " فضرب فانفلق "، وأمَّا في هذه، فالاستخفاف علةٌ صالحةٌ لثَنْيهم صدورهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادةِ.
والضَّميرُ في " مِنْهُط فيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ عائدٌ على رسُولِ الله - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - وهو ظاهرٌ على تعلُّق اللاَّم ب " يَثْنُونَ ".
والثاني : أنَّهُ عائدٌ على الله تعالى كما قال الزمخشريُّ.
قوله :﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ في هذا الظرف وجهان :
أحدهما : أنَّ ناصبهُ مُضْمَرٌ، فقدَّره الزمخشري ب " يريدون " كما تقدم، فقال : ومعنى ( ألا حين يستغشون ثيابهم ) : ويريدون الاستخفاء حين يشتغشون ثيابهم أيضاً كراهة لاستماع كلام الله، كقول نُوحٍ ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، وقدَّره أبو البقاء فقال :( ألا حين يستغشون ثيابهم ) : يستخفون.
والثاني : أنَّ النَّاصب له " يَعْلَمُ "، أي : ألا يعلم سرَّهُم وعلنهم حين يفعلون كذا، وهذا معنى واضح، وكأنَّهُم إنَّما جوَّزُوا غيره ؛ لئلا يلزم تقييد علمه تعالى بسرِّهم وعلنهم بهذا الوقت الخاصِّ، والله تعالى عالمٌ بذلك في كل وقت.
وهذا غيرُ لازم ؛ لأنَّه إذا عُلِمَ سرُّهم وعلنهُم في وقت التَّغْشِية الذي يخفى فيه السرُّ فأولى في غيره، وهذا بحسب العادةِ وإلاَّ فالله تعالى لايتفاوتُ علمهُ.
و " ما " يجُوزُ أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى " الذي "، والعائدُ محذوفٌ، أي : تُسِرُّونه وتُعْلِنُونه.

فصل


قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - نزلت في الأخنس بن شريقٍ، وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله ﷺ بما يحبُّ، وينطوي له بقلبه على ما يكره(١٣).
فقوله :﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي يخفون ما في صدورهم من الشَّحْنَاءِ والعداوةِ.
قال عبدُ الله بنُ شداد : نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ بالنبي ﷺ ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطَّى وجهه، كي لا يراه النبي - صلوات الله وسلامه عليه -.
قال قتادة(١٤) : كانوا يخفون صدورهم، لكيلا يسمعُوا كلامَ الله ولا ذكره(١٥).
وقيل : كان الرَّجلُ من الكُفَّار يدخل بيته، ويرخي ستره، ويحْنِي ظهرهُ، ويتغشَّى بثوبه، ويقول : هل يعلمُ الله ما في قلبي.
وقال السُّدي :" يَثْنُونَ صُدورَهُمْ " أي : يُعرضُون بقلوبهم، من قولهم : ثنيت عناني ليَسْتخْفُوا مِنهُ أي : من رسول الله - صلوات ا لله وسلامه عليه -(١٦).
وقال مجاهدٌ : من الله عز وجل.
﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يغطون رؤوسهم بثيابهم(١٧) و " ألا " كلمة تنبيه أي : ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم. ثم ذكر أنَّهُ لا فائدة لهم في استخفافهم فقال سبحانه :﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾.
قال الأزهري معنى الآية من أولها إلى آخرها : إنَّ الذين اضمرُوا عداوة رسُول الله ﷺ لا يخفى علينا حالهم.
وروى محمد بن جرير عن محمد بن عباد بن جعفر - رضي الله عنه - ؛ أنه سمع ابن عباس يقرأ ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال : كان أناسٌ يستحيون أن يَخلوا فينفضوا إلى السَّماء، وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى السَّماءِ ؛ فنزل ذلك فيهم(١٨).
لمَّا ذكر أنه :﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أردفهُ بما يدلُّ على أنَّهُ تعالى عالمٌ بجميعِ المعلومات وهو أنَّ رزق كلَّ حيوان إنَّما يصل إليه من الله ؛ لأنَّه لو لم يكن عالماً بجيمع المعلُومات لما حصلت هذه المهمَّات.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٥٠ والبحر المحيط ٥/٢٠٣ والدر المصون ٤/٧٨..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٩ والمحرر الوجيز ٣/١٥٠ والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٨..
٣ ينظر: البحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٨..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٩ والمحرر الوجيز ٣/١٥١، والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٨..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٣٨٩، والمحرر الوجيز ٣/١٥١. والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٨..
٦ تقدم..
٧ ينظر: البحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٩..
٨ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٩، والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٩..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٥١، والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٩..
١٠ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٩، والبحر المحيط ٥/٢٠٣، والدر المصون ٤/٧٩..
١١ ينظر: الدر المصون ٤/٧٩..
١٢ ينظر: الدر المصون ٤/٧٩..
١٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٧٣)..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٦٢٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٧٩) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٦٢٥-٦٢٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٨٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٧٣)..

١٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٧٣)..
١٧ انظر المصدر السابق..
١٨ أخرجه البخاري (٨/٢٠٠) كتاب التفسير: باب ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه...... حديث (٤٦٨١) والطبري (٦/٦٢٦) من طريق ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٧٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى