بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿يا قوم هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً﴾ وروي عن النبي ﷺ ؛ أنه قال :« إنَّ صَالِحاً، لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إلى الإسلامِ كَذَّبُوهُ، فَضَاقَ صَدْرُهُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أنْ يَأذَنَ لَهُ بِالخُرُوج مِنْ عِنْدِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ وَانْتَهَى إلى سَاحِلِ البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى المَاءِ، فقالَ لهُ صَالحٌ : وَيْحَكَ مَنْ أنْتَ ؟ فقالَ : أنا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. قالَ : كُنْتُ في سَفِينَةٍ كَانَ قَوْمُهَا كَفَرَةً غَيْرِي، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَجَّانِي مِنْهُم، فَخَرَجْتُ إلى جَزِيرَةٍ أتَعَبَّدُ هُناكَ، فَأَخْرُجُ أحْيَاناً وَأطْلُبُ شَيْئاً مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أرْجِعُ إلى مَكَانِي فَمَضَى صَالِحٌ، وَانْتَهَى إلى تَلَ عَظِيم، فَرَأَى رَجُلاً يَتَعَبَّدُ، فَانْتَهَى إلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، فقالَ لَهُ صَالِحٌ مَنْ أنْتَ ؟ قال : كَانَتْ هاهُنَا قَرْيَةٌ، كانَ أهْلُهَا كُفّاراً غَيْرِي، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَنَجَّانِي مِنْهُم، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أنْ أَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى هاهنا إلى المَوْتِ، وَقَدْ أَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِي شَجَرَةَ رُمَّانٍ، وَأَظْهَرَ لِي عَيْنَ ماءٍ، فآكُلُ مِنَ الرُّمَّانِ، وَأشْرَبُ مِنْ ماءِ العَيْن، وَأَتَوَضّأ مِنْهُ. فَذَهَبَ صالحٌ، وَانْتَهَى إلى قَرْيَةٍ كانَ أَهْلُها كُفَّاراً كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَخَوَيْن مُسْلِمَيْنِ يَعْمَلان عَمَلَ الخُوصِ فَضَرَبَ النبي ﷺ : مثلاً قال : لَوْ أنَّ مُؤْمِناً دَخَلَ قَريَةً فِيها ألفُ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ كُفّارٌ، وفِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ، فلا يَسْكُنُ قَلْبُهُ مَعَ أحَدٍ، حَتَّى يَجِد المُؤْمِنَ. وَلَوْ أنَّ مُنَافِقاً دَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا أَلْفُ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٌ وَاحِدٌ، فلا يَسْكُنُ قَلْبُ المُنَافِقِ مَعَ أحَدٍ، ما لَمْ يَجِدِ المُنَافِقَ.
فَدَخَلَ صَالِحٌ، فانتهى إلى الأَخَوَيْن، وَمَكَثَ عِنْدَهُمَا أياماً. وَسَأَلَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا يَصْبِرَانِ عَلَى إيذاءِ المُشْركِينَ، وَأَنَّهُمَا يَعْمَلانِ عَمَلَ الخُوصِ، وَيُمْسِكانِ قُوتَهُمَا، وَيَتَصَدَّقَانِ بِالفَضْلِ. فَقالَ صَالِحٌ : الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أرَانِي في الأرض مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى أذَى الكُفَّارِ، فأنا أرْجِعُ إلى قَوْمِي، وَأَصْبِرُ عَلَى أذاهُمْ. فَرَجَعَ إليْهِمْ، وَقَدْ كانُوا خَرَجُوا إلى عِيدِ لَهُمْ فَدَعَاهُمْ إلى الإيمانِ فَسَألُوا مِنْهُ أنْ يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الصَّخْرَةِ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَأخْرَجَ لَهُمْ ناقةً عُشَرَاءَ ».
فذلك قوله :﴿مّن رَّبّكُمْ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً﴾ أي : علامة وعبرة، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله﴾ يعني : في أرض الحجر ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء﴾ يعني : لا تعقروها ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾، يعني : يصيبكم ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
فولدت الناقة ولداً وكانت لهم بئر واحدة عذبة، قال ابن عباس : كان للناقة شرب يوم لا يقربونها، ولهم شرب يوم، وهي لا تحضرها، وكانوا يستقون الماء في يومهم ما يكفيهم للغد، فيقسمونه فيما بينهم، فإذا كان يوم شربها، كانت ترتع في الوادي، ثم تجيء إلى البئر، فتبرك، فتدلي رأسها في البئر، فتشرب منها، ثم تعود فترعى، ثم تعود إلى البئر، فتشرب منها، فتفعل ذلك نهارها كله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى