التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال :{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً.
ومعنى ﴿نَكِرَهُمْ﴾ : نفر منهم، وكره تصرفهم. نقول فلان نكر حال فلان - كعلم - وأنكره نكراً ونكوراً... إذا وجده على غير ما يعهده فيه، ويتوقعه منه.
﴿وَأَوْجَسَ﴾ من الوجس وهو الصوت الخفى، والمراد به هنا : الإِحساس الخفى بالخوف والفزع الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها.
أى : فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذى قدمه لهم، نفر منهم، وأحس فى نفسه من جهتهم خوفاً ورعباً ؛ لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه - بدون سبب مقنع ٠- يشعر بأن هذا الضيف ينوى شراً به... والتقاليد فى كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك.
ولذا قالت الملائكة لإِبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف :﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾
أى : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر، وإنما نحن رسل من الله - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم.
وقد جاء فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم، ففى سورة الحجر قال - تعالى - :﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ. قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ...﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى