جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فلما رأى إبراهيم أيدَيهم لا تصل إلى العجل الذي أتاهم به والطعام الذي قدّم إليهم نكرهم، وذلك أنه لما قدّم طعامه ﷺ إليهم فيما ذُكِر، كَفّوا عن أكله، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله، وكان إمساكهم عن أكله عند إبراهيم وهم ضيفانه مستنكرَا، ولم تكن بينهم معرفة، وراعه أمرهم وأوجس في نفسه منهم خيفة.
وكان قتادة يقول : كان إنكاره ذلك من أمرهم كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَلَمّا رأى أيْدِيهِمْ لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ وأوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يَطعَم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجيءْ بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : فَلَمّا رأى أيْدِيهِمْ لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ قال : كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ، ثم حدّثوه عند ذلك بما جاءوا.
وقال غيره في ذلك ما :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان، قال : لما دخل ضيف إبراهيم عليه السلام قرّب إليهم العجل، فجعلوا ينكتون بِقداح في أيديهم من نَبْل، ولا تصل أيديهم إليه، نكرهم عند ذلك.
يقال منه : نَكِرْت الشيء أَنكره، وأَنكرته أنكره بمعنى واحد، ومن نكرت وأنكرت قول الأعشى :
| وأنْكَرَتْني وَما كانَ الذي نَكِرَتْ | منَ الحَوَادثِ إلاّ الشّيْبَ والصّلَعا |
| فَنَكرْنَهُ فَنَفَرْنَ وَامْتَرَسَتْ بهِ | هَوْجاءُ هادِيَةٌ وَهادٍ جُرْشُعُ |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رأى إبراهيم أيديَهم لا تصل إلى العجل الذي أتاهم به، والطعام الذي قدّم إليهم، نكرهم، وذلك أنه لما قدم طعامه ﷺ إليهم، فيما ذكر، كفّوا عن أكله، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله. وكان إمساكهم عن أكله، عند إبراهيم، وهم ضِيَفانه مستنكرًا. ولم تكن بينهم معرفةٌ، وراعه أمرهم، وأوجس في نفسه منهم خيفة.
* * *
وكان قتادة يقول: كان إنكاره ذلك من أمرهم، كما:-
١٨٣١١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة)، وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدِّث نفسه بشرّ.
١٨٣١٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرَهم)، قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ، ثم حدَّثوه عند ذلك بما جاؤوا.
*وقال غيره في ذلك ما:-
١٨٣١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان قال: لما دخل ضيف إبراهيم عليه
* * *
يقال منه: "نكرت الشيء أنكره"، و"أنكرته أنكره "، بمعنى واحد، ومن "نكرت" و"أنكرت"، قول الأعشى:
| وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ | مِنَ الحَوَادِثِ، إلا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا (٢) |
| فَنَكِرْنَهُ، فَنَفَرْنَ، وامْتَرَسَتْ بِهِ | هَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وَهَادٍ جُرْشُعُ (٣) |
و" جندب بن سفيان "، منسوب إلى جده، وهو: " جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي "، كان على عهد النبي ﷺ غلامًا حزورًا، كما قال هو، وهو الذي راهق، ولم يدرك بعد. مترجم في الإصابة، وغيره، وفي التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٢٢٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥١٠.
(٢) ديوانه: ٧٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٣، واللسان (نكر) وغيرهما، وسيأتي في التفسير ٢٩: ١٤٥ (بولاق)، ومما يرويه أبو عبيدة، أن أبا عمرو بن العلاء قال: " أنا قلت هذا البيت وأستغفر الله "، فلم يروه، وأنه أنشد بشارًا هذا البيت وهو يسمعه وقيل له: إنه للأعشى، فقال: ليس هذا من كلامه. فقلت له: يا سيدي، ولا عرف القصيدة. ثم قال: أعمى شيطان. وهذه قصة تروى أنا في شك منها.
(٣) ديوانه، (ديوان الهذليين) ١: ٨، وشرح المفضليات: ٨٦٧، وغيرهما، يذكر حمر الوحش، لما شرعت في الماء، وسمعت حس الصائد، فقال:
| فَشَرِبْنَ ثُمَّ سَمِعْنَ حِسًّا دُونَهُ | شَرَفُ الحِجَابِ، وَرَيْبَ قَرْعٍ يَقْرَعُ |
| وَنمِيمَةً مِنْ قَانِصٍ متلبِّبٍ | في كَفِّهِ جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطَعُ |
وأما رواية " هوجاء هادية "، فإنه يعني: جريئة متقدمة..