جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وَامْرأتُهُ سارّة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن راعو بن فالغ، وهي ابنة عم إبراهيم. قائمَةٌ قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع كلام الرسل وكلام إبراهيم عليه السلام. وقيل : كانت قائمة تخدم الرسل وإبراهيم جالس مع الرسل.
وقوله : فَضَحِكَتْ اختلف أهل التأويل في معنى قوله فَضَحِكَتْ وفي السبب الذي من أجله ضحكت، فقال بعضهم : ضحكت الضحك المعروف تعجبا من أنها وزوجها إبراهيم يخدمان ضيفانهم بأنفسهما تكرمة لهم، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيّفوه. فلما رآهم إبراهيم أجلّهم فراغَ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرّضْف، فهو الحنيذ حين شواه. وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارَة تخدمهم، فذلك حين يقول : وَامْرأتُهُ قائمَةٌ وهو جالس. في قراءة ابن مسعود «فلما قرّبه إليهم قال ألا تأكلون » قالوا : يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال : فإن لهذا ثمنا. قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخره. فنظر جبرئيل إلى ميكائيل فقال : حقّ لهذا أن يتخذه ربه خليلاً. فَلَمّا رَأى أيْدَيهُمْ لا تَصِلُ إلَيْهِ يقول : لا يأكلون، فزع منهم وأوجس منهم خيفة فلما نظرت إليه سارّة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا
وقال آخرون : بل ضحكت من أن قوم لوط في غفلة وقد جاءت رسل الله لهلاكهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت امرأته وعجِبت من أن قوما أتاهم العذاب وهم في غفلة، فضحكت من ذلك وعجبت، فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه قال : ضحكت تعجبا مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب.
وقال آخرون : بل ضحكت ظنا منها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، في قوله : وامرأتهُ قائمَةٌ فَضَحكَتْ قال : لما جاءت الملائكة ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط.
وقال آخرون : بل ضحكت لِمَا رأت بزوجها إبراهيم من الرّوع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي : فضَحِكَتْ قال : ضحكت حينَ راعُوا إبراهيم مما رأت من الرّوع بإبراهيم.
وقال آخرون : بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبا من أن يكون لها ولد على كِبَر سنها وسنّ زوجها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول : لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام فرآهم، راعه هيئتهم وجمالهم، فسلموا عليه، وجلسوا إليه، فقام فأمر بعجل سمين، فحنذ له، فقرّ إليهم الطعام. فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، وسارَة وراء البيت تسمع قالوا : لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم مبارك وبشّر به امرأته سارة، فضحكت وعجبت كيف يكون لي ولد وأنا عجوز وهو شيخ كبير فقالوا : أتعجبين من أمر الله ؟ فإنه قادر على ما يشاء، فقد وهبه الله لكم فأبشروا به.
وقد قال بعض من كان يتأوّل هذا التأويل : إن هذا من المقدّم الذي معناه التأخير، وكأن معنى الكلام عنده : وامرأته قائمة، فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت وقالت : يا ويلتا أألد وأنا عجوز.
وقال آخرون : بل معنى قوله :«فضحكت » في هذا الموضع : فحاضت. ذكر من قال ذلك :
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال : حدثنا بقية بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن عمرو بن الأزهر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله : فَضَحِكَتْ قال : حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة. قال : وكان إبراهيم ابن مئة سنة.
وقال آخرون : بل ضحكت سرورا بالأمن منهم لما قالوا لإبراهيم : لا تخف، وذلك أنه قد كان خافهم وخافتهم أيضا كما خافهم إبراهيم فلما أمنت ضحكت، فأتبعوها البشارة بإسحاق. وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع ضحكت بمعنى حاضت من ثقة. وذكر بعض أهل العربية من البصريين أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم أن العرب تقول ضحكت المرأة : حاضت، قال : وقد قال : الضحك : الحيض، وقد قال بعضهم : الضحك : العجب، وذكر بيت أبي ذؤيب :
| فجاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ | هُوَ الضّحْكُ إلاّ أنّهُ عَمَلُ النّحْلِ |
| وَضَحْكُ الأرَانِبِ فَوْقَ الصّفا | كمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللّقا |
| فأضْحَكَتِ الضبّاعَ سيُوفُ سَعْدٍ | بقَتْلَى ما دُفِنّ وَلا وُدِينا |
وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بالصواب قول من قال : معنى قوله :«فضحكت » : فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلته عنه.
وإنما قُلْنا هذا القول أولى بالصواب لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم : لا تخف، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط.
القول في تأويل قوله تعالى : فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }.
يقول تعالى ذكره : فبشّرنا سارة امرأة إبراهيم ثوابا منا لها على نكيرها وعجبها من فعل قوم لوط بإسحاق ولدا لها. ومِنْ وَرَاءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ يقول : ومن خلف إسحاق يعقوب من ابنها إسحاق. والوراء في كلام العرب : ولد الولد، وكذلك تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا داود، عن عامر، قال : وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : الوراء : ولد الولد.
حدثنا عمرو بن عليّ محمد بن المثنى، قال كل واحد منهما : حدثني أبو اليسع إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة مولى الأشعري، قال : كنت إلى جنب جدي أبي المغيرة بن مهران في مسجد عليّ بن زيد، فمرّ بنا الحسن بن أبي الحسن، فقال : يا أبا المغيرة من هذا الفتى ؟ قال : ابني من ورائي، فقال الحسن : فَبَشّرناها بإسْحاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ.
حدثنا عمرو بن عليّ محمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن أبي عديّ، قال : حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، في قوله : فَبَشّرْناها بإسْحاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : ولد الولد هو الوراء.
حدثني إسحاق بن شاهين، قال : حدثنا خالد، عن داود، عن عامر، في قوله : وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : الوراء : ولد الولد.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبيّ، مثله.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو عمرو الأزدي، قال : سمعت الشعبيّ يقول : ولد الولد : هم الولد من الوراء.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ومعه ابن ابنه، فقال : من هذا معك ؟ قال : هذا ابني، قال : هذا ولدك من الوراء. قال : فكأنه شقّ على ذلك الرجل، فقال ابن عباس : إن الله يقول : فَبَشّرْناها بإسْحاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ فولد الولد : هم الوراء.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما ضحكت سارّة وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا قال لها جبريل : أبشري بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. فضربت وجهها عجبا، فذلك قوله : فَصكّتْ وَجْهَها وقالت : أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلى شَيْخا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبينَ منْ أمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ إنّهُ حَميدٌ مَجِيدٌ قالت سارّة : ما آية ذلك ؟ قال : فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه، فاهتزّ أخضر، فقال إبراهيم : هو لله إذا ذبيحا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : فضحكت يعني سارّة لما عرفت من أمر الله جلّ ثناؤه ولما تعلم من قوم لوط فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب بابن وبابن ابن، فقالت وصكّت وجهها يقال : ضربت على جبينها : يا وَيْلَتا ءألِدُ وأنا عَجُوز. . . . إلى قوله : إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز :«ومِنْ وَرَاءِ إسحاقَ يَعْقُوبُ » برفع «يعقوب »، ويعيد ابتداء الكلام بقوله. وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ. وذلك وإن كان خبرا مبتدأ، ففيه دلالة على معنى التبشير. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشأم : وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ نصبا فأما الشامي منهما فذكر أنه كان ينحو بيعقوب نحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال : ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب، فلما لم يظهر «وهبنا » عمل فيه التبشير وعطف به على موضع «إسحاق »، إذ كان إسحاق وإن كان مخفوضا فإنه بمعنى المنصوب بعمل «بشرنا » فيه، كما قال الشاعر :
| جِئْنِي بِمِثْلِ بني بَدْرٍ لقَومِهِمِ | أوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْطُورِ بنِ سَيّارِ |
| أوْ عامِرِ بْنِ طُفَيْلٍ في مُرَكّبهِ | أوْ حارِثا يَوْمَ نادَى القَوْمُ يا حارِ |
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه رفعا، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلم بالعربية، وما عليه قراءة الأمصار. فأما النصب فيه فإن له وجها،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وامرأته)، سارَة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن راعو بن فالغ، (٢) وهي ابنة عم إبراهيم = (قائمة)، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم عليه السلام. وقيل: كانت قائمة تخدُم الرسل، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل.
* * *
وقوله: (فضحكت)، اختلف أهل التأويل في معنى قوله (فضحكت)، وفي السبب الذي من أجله ضحكت.
فقال بعضهم: ضحكت الضحك المعروف، تعجبًا من أنَّها وزوجها إبراهيم يخدمان ضِيفانهم بأنفسهما، تكرمةً لهم، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٣١٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلّهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرَّضْف، فهو "الحنيذ"
(٢) هكذا هنا: " ساروج "، وفي غيره: " ساروغ "، وهو الأكثر.
* * *
وقال آخرون: بل ضحكت من أن قوم لوط في غَفْلة وقد جاءت رُسُل الله لهلاكهم.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته وعجبت من أن قومًا أتاهم العذاب، وهم في غفلة. فضحكت من ذلك وعجبت = (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)
١٨٣١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه قال: ضحكت تعجبًا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب.
* * *
وقال آخرون: بل ضحكت ظنًّا منها بهم أنهم يريدون عَمَل قوم لوط.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣١٧- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر،
* * *
وقال آخرون: بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الرَّوع.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣١٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي: (فضحكت)، قال: ضحكت حين راعُوا إبراهيم مما رأت من الروع، بإبراهيم.
* * *
وقال آخرون: بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣١٩- حدثني المثني قال إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام فرآهم، راعه هيئتهم وجمالهم، فسلموا عليه، وجلسوا إليه، فقام فأمر بعجل سمين، فحُنِذَ له، فقرّب إليهم الطعام = (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة)، وسارة وراء البيت تسمع، قالوا: لا تَخَفْ إنَّا نبشرك بغلام حليم مبارك! وبشّر به امرأته سارة، فضحكت وعجبت: كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهو شيخ كبير! فقالوا: أتعجبين من أمر الله؟ فإنه قادر على ما يشاء! فقد وهبه الله لكم، فأبشروا به.
* * *
وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل: إن هذا من المقدَّم الذي معناه التأخير، كأنّ معنى الكلام عنده: وامرأته قائمة، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت وقالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز؟
* * *
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣٢٠- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن عمرو بن الأزهر، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (فضحكت)، قال: حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة. قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة. (١)
* * *
وقال آخرون: بل ضحكت سرورًا بالأمن منهم، لما قالوا لإبراهيم: لا تخف، وذلك أنه قد كان خافهم وخافتهم أيضًا كما خافهم إبراهيم. فلما أمِنَت ضحكت، فأتبعوها البشارة بإسحاق.
* * *
وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع "ضحكت"، بمعنى: حاضت، من ثقة. (٢)
* * *
وذكر بعض أهل العربية من البصريين أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم أن العرب تقول "ضحكت المرأة"، حاضت. قال: وقد قال:
(٢) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية.
| فَجَاءَ بِمِزْجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ | هُوَ الضَّحْكُ إلا أَنَّهُ عَملُ النَّحْلِ (٢) |
| وَضِحْكُ الأرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا | كَمِثْل دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا (٤) |
| فَأضْحَكَتِ الضِّبَاعُ سُيُوفُ سَعْدٍ | بِقَتْلَى مَا دُفِنَّ وَلا وُدِينَا (٥) |
* * *
(٢) ديوانه (ديوان الهذليين) ١: ٤٢، واللسان (ضحك)، وغيرهما، من قصيدة من عجائبه، ذكر في آخرها الخمر، وكيف تزودها من أهل مصر وغزة، وأقبل بها يقطع الأرض، حتى بات بمزدلفة (جمع)، ومنى، فقال قبل البيت:
| فَبَاتَ بِجَمْعٍ، ثُمَّ تَمَّ إِلَى مِنًى | فأَصْبَحَ رَأْدًا يَبْتَغِي المِزْجَ بالسَّحْل |
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) اللسان (ضحك).
(٥) اللسان (ضحك)، من قصيدة له مشهورة، لم أجدها مجموعة في مكان، ويزعمون أن الضبع تحيض، إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم. وكان ابن دريد يرد هذا ويقول: من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض؟
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم: (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط). فإذ كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم: (لا تخف)، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبشَّرنا سارَة امرأة إبراهيم ثوابًا منا لها على نَكيرها وعجبها من فعل قوم لوط = (بإسحاق)، ولدًا لها = (ومن وراء إسحاق يعقوب)، يقول: ومن خلف إسحاق يعقوب، من ابنها إسحاق.
* * *
و"الوراء" في كلام العرب، ولد الولد، وكذلك تأوَّله أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٣٢١- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال: (ومن وراء إسحاق يعقوب)، قال: الوراء: ولد الولد.
١٨٣٢٢- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، قال كلّ واحد منهما، حدثني أبو اليسع إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة مولى الأشعري، قال: كنت إلى جنب جدي أبي المغيرة بن مهران، في مسجد عليّ بن زيد، فمر بنا الحسنُ بن أبي الحسن فقال: يا أبا المغيرة من هذا الفتى؟ قال: ابني من ورائي،
١٨٣٢٣- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثني قالا حدثنا محمد بن أبي عدي قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي في قوله: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)، قال: ولد الولد هو "الوراء".
١٨٣٢٤- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد، عن داود، عن عامر في قوله: (ومن وراء إسحاق يعقوب)، قال: "الوراء"، ولد الولد.
١٨٣٢٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، مثله.
١٨٣٢٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو عمرو الأزدي قال: سمعت الشعبي يقول: ولد الولد: هم الولد من الوَراء.
١٨٣٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس ومعه ابن ابنه فقال: من هذا معك؟ قال: هذا ابن ابني. قال: هذا ولدُك من الوراء! قال: فكأنه شقَّ على ذلك الرجل، فقال ابن عباس: إن الله يقول: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)، فولد الولد هم الوراء.
١٨٣٢٨- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ضحكت سارَة. وقالت: "عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا "! قال لها جبريل: أبشري بولد اسمُه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. فَضربتْ وَجْهَهَا عجبًا، فذلك قوله: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)، [سورة الذاريات: ٢٩]. وقالت: (أألد
"إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، مولى الأشعري " مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٥١، وابن أبي حاتم ١/١/ ١٦٤، وروى عنه " عمر بن علي بن مقدم "، ولم يرو عنه "عمرو بن علي الفلاس"، وإذًا فليس هو هو. فيبقى مجهولًا حتى نجد له ترجمة.
١٨٣٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: (فضحكت) = يعني سارَة لما عرفت من أمر الله جل ثناؤه ولمَا تعلم من قوم لوط = فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب = بابن وبابن ابن. فقالت وصكت وجهها = يقال: ضربت على جبينها =: (يا ويلتا أألد وأنا عجوز)، إلى قوله: (إنه حميد مجيد).
* * *
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء العراق والحجاز: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ)، برفع "يعقوب "، ويعيد ابتداء الكلام بقوله. (ومن وراء إسحاق يعقوب)، وذلك وإن كان خبرًا مبتدأ، ففيه دلالة على معنى التبشير.
* * *
وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشأم، (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب) نصبًا.
* * *
فأما الشامي منهما، فذكر أنه كان ينحو ب"يعقوب" نحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال: ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب. فلما لم يظهر "وهبنا" عمل فيه "التبشير" وعطف به على موضع "إسحاق "، إذ كان "إسحاق" وإن كان مخفوضًا، فانه بمعنى المنصوب بعمل "بشرنا"، فيه، كما قال الشاعر: (١)
جِئْنِي بِمِثْلِ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِهِمِ... أَوْ مِثْلِ أُسَْرِة مَنْظُورِ بنِ سَيَّارِ...
* * *
وأما الكوفي منهما فإنه قرأه بتأويل الخفض فيما ذكر عنه، غير أنه نصبه لأنه لا يجرى. وقد أنكر ذلك أهل العلم بالعربية من أجل دخول الصفة بين حرف العطف والاسم. (٢) وقالوا: خطأ أن يقال: "مررت بعمرٍو في الدَّار وفي الدار زيد" وأنت عاطف ب"زيد" على "عمرو"، إلا بتكرير الباء وإعادتها، فإن لم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع، وجاز النصب، فإن قُدم الاسم على الصفة جاز حينئذ الخفض، وذلك إذا قلت: "مررت بعمرو في الدار وزيد في البيت". وقد أجاز الخفضَ والصفةُ معترضةٌ بين حرف العطف والاسم، بعضُ نحويي البصرة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه رفعًا، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلم بالعربية، وما عليه قراءة الأمصار. فأما النَّصب فيه فإن له وجهًا، غير أنِّي لا أحبُّ القراءة به، لأن كتاب الله نزلَ بأفصح ألسُن العرب، والذي هو أولى بالعلم بالذي نزل به من الفصاحة.
* * *
| لاَ تَفْخَرَنَّ، فإنَّ اللهَ أنْزَلكُمْ | يَا خُزْرَ تَغْلِبَ دَارَ الذُّلِّ والعَارِ |
| مَا فِيكُمُ حَكَمٌ تُرْضَى حُكُومَتُهُ | لِلمُسْلِمينَ، ولاَ مُسْتَشْهَدٌ شَارِي |
| أوْ مَثْلَ آلِ زُهَيْرٍ، والقَنا قِصَدٌ | وَالخَيْلُ في رَهَجٍ مِنْهَا وَإِعْصَارِ |
(٢) " الصفة " يعني حرف الجر، كما سلف مرارًا، انظر فهارس المصطلحات.