المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ثم خرجت الآية إلى ذكر المرأة وبشارتها فقالت فرقة : معناه :﴿قائمة﴾ خلف ستر تسمع محاورة إبراهيم مع أضيافه، وقالت فرقة : معناه ﴿قائمة﴾ في صلاة، وقال السد معناه ﴿قائمة﴾ تخدم القوم، وفي قراءة ابن مسعود :«وهي قائمة وهو جالس ». وقوله ﴿فضحكت﴾ قال مجاهد : معناه : حاضت، وأنشد على ذلك اللغويون :
وهذا القول ضعيف قليل التمكن، وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى : حاضت وقرره بعضهم، ويقال ضحك إذا امتلأ وفاض : ورد الزجّاج قول مجاهد، وقال الجمهور : هو الضحك المعروف، واختلف مم ضحكت ؟ فقالت فرقة : ضحكت من تأمينهم لإبراهيم بقولهم :﴿لا تخف﴾. وقال قتادة : ضحكت هزؤاً من قوم لوط أن يكونوا على غفلة وقد نفذ من أمر الله تعالى فيهم ما نفذ.
وقال وهب بن منبه : ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال : هذا مقدم بمعنى التأخير، وقال محمد بن قيس : ضحكت لظنها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط ؛ قال القاضي : وهذا قول خطأ لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ذكرته لمعنى التنبيه على فساده، وقالت فرقة : ضحكت من فزع إبراهيم من ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين من الرجال، وقيل : المائة.
وقال السدي : ضحكت من أن تكون هي تخدم وإبراهيم يحفد ويسعى والأضياف لا يأكلون. وقيل : ضحكت سروراً بصدق ظنها، لأنها كانت تقول لإبراهيم، إنه لا بد أن ينزل العذاب بقوم لوط، وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام حياً فضحكت لذلك.
وقرأ محمد بن زياد الأعرابي :«فضحَكت » بفتح الحاء.
وامرأة إبراهيم هذه هي سارة بنت هارون بن ناحور، وهو إبراهيم بن آزر بن ناحور فهي ابنة عمه، وقيل : هي أخت لوط.
قال القاضي أبو محمد : وما أظن ذلك إلا أخوة القرابة لأن إبراهيم هو عم لوط فيما روي : وذكر الطبري أن إبراهيم لما قدم العجل قالوا له : إنَّا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال لهم : ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أول، وتحمدوه في آخر، فقال جبريل لأصحابه : بحق اتخذ الله هذا خليلاً.
وقوله :﴿فبشرناها﴾ أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى إذ كان بأمره ووحيه، وبشر الملائكة سارة ﴿بإسحاق﴾ وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد الولد من الوراء، وهو قريب من معنى وراء في الظروف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده ؛ ورأى ابن عباس رجلاً معه شاب، فقال له : من هذا ؟ فقال له : ولد ولدي، فقال : هو ولدك من الوراء، فغضب الرجل، فذكر له ابن عباس الآية.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي «يعقوبُ » بالرفع على الابتداء والخبر المقدم، وهو على هذا دخل في البشرى، وقالت فرقة : رفعه على القطع بمعنى : ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، وعلى هذا لا يدخل في البشارة وقرأ ابن عامر وحمزة «يعقوبَ » بالنصب واختلف عن عاصم، فمنهم من جعله معطوفاً على ﴿إسحاق﴾ إلا أنه لم ينصرف، واستسهل هذا القائل أن فرق بين حرف العطف والمعطوف بالمجرور، وسيبويه لا يجيز هذا إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما تقول : مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فالوجه عنده : وأمس بعمرو، وإذا لم يعد ففيه كبير قبيح، والوجه في نصبه أن ينتصب بفعل مضمر، تدل عليه البشارة وتقديره : ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، هذا رجح أبو علي.
قال القاضي أبو محمد : وروي أن سارة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة.
وهذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسماعيل وأنه أسن من إسحاق وذلك أن سارة كانت في وقت إخدام الملك الجائر هاجر أم إسماعيل امرأة شابة جميلة حسبما في الحديث، فاتخذها إبراهيم عليه السلام أم ولد، فغارت بها سارة، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق وجاء من يومه مكة فتركهما - حسبما في السير - وانصرف إلى الشام من يومه ثم كانت البشارة بإسحاق، وسارة عجوز متجالة(٢)، وأما وجه دلالة الآية على أن إسحاق ليس بالذبيح فهو أن سارة وإبراهيم بشرا بإسحاق وأنه يولد له يعقوب، ثم أمر بالذبح حين بلغ ابنه معه السعي، فكيف يؤمر بذبح ولد قد بشر قبل أنه سيولد لابنه ذلك، وأيضاً فلم يقع قط في أثر أن إسحاق دخل الحجاز وإجماع أن أمر الذبح كان بمنى، ويؤيد هذا الغرض قول رسول الله ﷺ :
«أنا ابن الذبيحين »(٣) يريد أباه عبد الله وأباه إسماعيل، ويؤيده ما نزع به مالك رحمه الله من الاحتجاج برتبة سورة الصافات فإنه بعد كمال أمر الذبيح قال :﴿وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين﴾(٤).
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا كله موضع معارضات لقائل القول الآخر : إن الذبيح هو إسحاق، ولكن هذا الذي ذكرناه هو الأرجح والله أعلم.
| وضحك الأرانب فوق الصفا | كمثل دم الجوق يوم اللقاء(١) |
وقال وهب بن منبه : ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال : هذا مقدم بمعنى التأخير، وقال محمد بن قيس : ضحكت لظنها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط ؛ قال القاضي : وهذا قول خطأ لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ذكرته لمعنى التنبيه على فساده، وقالت فرقة : ضحكت من فزع إبراهيم من ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين من الرجال، وقيل : المائة.
وقال السدي : ضحكت من أن تكون هي تخدم وإبراهيم يحفد ويسعى والأضياف لا يأكلون. وقيل : ضحكت سروراً بصدق ظنها، لأنها كانت تقول لإبراهيم، إنه لا بد أن ينزل العذاب بقوم لوط، وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام حياً فضحكت لذلك.
وقرأ محمد بن زياد الأعرابي :«فضحَكت » بفتح الحاء.
وامرأة إبراهيم هذه هي سارة بنت هارون بن ناحور، وهو إبراهيم بن آزر بن ناحور فهي ابنة عمه، وقيل : هي أخت لوط.
قال القاضي أبو محمد : وما أظن ذلك إلا أخوة القرابة لأن إبراهيم هو عم لوط فيما روي : وذكر الطبري أن إبراهيم لما قدم العجل قالوا له : إنَّا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال لهم : ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أول، وتحمدوه في آخر، فقال جبريل لأصحابه : بحق اتخذ الله هذا خليلاً.
وقوله :﴿فبشرناها﴾ أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى إذ كان بأمره ووحيه، وبشر الملائكة سارة ﴿بإسحاق﴾ وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد الولد من الوراء، وهو قريب من معنى وراء في الظروف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده ؛ ورأى ابن عباس رجلاً معه شاب، فقال له : من هذا ؟ فقال له : ولد ولدي، فقال : هو ولدك من الوراء، فغضب الرجل، فذكر له ابن عباس الآية.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي «يعقوبُ » بالرفع على الابتداء والخبر المقدم، وهو على هذا دخل في البشرى، وقالت فرقة : رفعه على القطع بمعنى : ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، وعلى هذا لا يدخل في البشارة وقرأ ابن عامر وحمزة «يعقوبَ » بالنصب واختلف عن عاصم، فمنهم من جعله معطوفاً على ﴿إسحاق﴾ إلا أنه لم ينصرف، واستسهل هذا القائل أن فرق بين حرف العطف والمعطوف بالمجرور، وسيبويه لا يجيز هذا إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما تقول : مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فالوجه عنده : وأمس بعمرو، وإذا لم يعد ففيه كبير قبيح، والوجه في نصبه أن ينتصب بفعل مضمر، تدل عليه البشارة وتقديره : ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، هذا رجح أبو علي.
قال القاضي أبو محمد : وروي أن سارة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة.
وهذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسماعيل وأنه أسن من إسحاق وذلك أن سارة كانت في وقت إخدام الملك الجائر هاجر أم إسماعيل امرأة شابة جميلة حسبما في الحديث، فاتخذها إبراهيم عليه السلام أم ولد، فغارت بها سارة، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق وجاء من يومه مكة فتركهما - حسبما في السير - وانصرف إلى الشام من يومه ثم كانت البشارة بإسحاق، وسارة عجوز متجالة(٢)، وأما وجه دلالة الآية على أن إسحاق ليس بالذبيح فهو أن سارة وإبراهيم بشرا بإسحاق وأنه يولد له يعقوب، ثم أمر بالذبح حين بلغ ابنه معه السعي، فكيف يؤمر بذبح ولد قد بشر قبل أنه سيولد لابنه ذلك، وأيضاً فلم يقع قط في أثر أن إسحاق دخل الحجاز وإجماع أن أمر الذبح كان بمنى، ويؤيد هذا الغرض قول رسول الله ﷺ :
«أنا ابن الذبيحين »(٣) يريد أباه عبد الله وأباه إسماعيل، ويؤيده ما نزع به مالك رحمه الله من الاحتجاج برتبة سورة الصافات فإنه بعد كمال أمر الذبيح قال :﴿وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين﴾(٤).
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا كله موضع معارضات لقائل القول الآخر : إن الذبيح هو إسحاق، ولكن هذا الذي ذكرناه هو الأرجح والله أعلم.
١ - البيت في اللسان غير منسوب، وقد ذكره عن ابن سيدة شاهدا على أن [ضحكت] بمعنى حاضت، ونقل عن أبي عمرو قوله: "وسمعت أبا موسى الحامض يسأل أبا العباس عن قوله [فضحكت] أي حاضت، وقال إنه جاء في التفسير، فقال: ليس في كلام العرب، والتفسير مسلّم لأهل التفسير، فقال له: فأنت أنشدتنا:
تضحك الضبع لقتلي هذيل وترى الذئب بها يستهل
فقال أبو العباس: تضحك هنا: تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها فتكشر في وجهه وعيدا فيتركها مع لحم القتيل". وقال ابن الأعرابي في هذا البيت وهو لتأبط شرا: "إن الضبع إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم طمثت وقد أضحكها الدم". وكان ابن دريد يرد هذا ويقول: "من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض؟"، ومما استشهد به اللغويون على أن ضحكت بمعنى حاضت البيت المشهور:
وإني لآتي العرس عند ظهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا..
٢ - أي: أسنّت وكبرت، وفي حديث أم صبية الجهنية: (كنا نكون في المسجد نسوة قد تجاللن)، وفي حديث جابر: (تزوجت امرأة قد تجالّت) أي: أسنت وكبرت..
٣ - لم نعثر على هذا الحديث في مصدر صحيح، وقد تكلم فيه كثير من العلماء، والذي روي عن الصنابحي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يابن الذبيحين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدا، وقد رواه الأموي في مغازيه –(راجع تفسير ابن كثير ٦-٣١)..
٤ - من الآية (١١٢) من سورة (الصافات)..
تضحك الضبع لقتلي هذيل وترى الذئب بها يستهل
فقال أبو العباس: تضحك هنا: تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها فتكشر في وجهه وعيدا فيتركها مع لحم القتيل". وقال ابن الأعرابي في هذا البيت وهو لتأبط شرا: "إن الضبع إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم طمثت وقد أضحكها الدم". وكان ابن دريد يرد هذا ويقول: "من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض؟"، ومما استشهد به اللغويون على أن ضحكت بمعنى حاضت البيت المشهور:
وإني لآتي العرس عند ظهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا..
٢ - أي: أسنّت وكبرت، وفي حديث أم صبية الجهنية: (كنا نكون في المسجد نسوة قد تجاللن)، وفي حديث جابر: (تزوجت امرأة قد تجالّت) أي: أسنت وكبرت..
٣ - لم نعثر على هذا الحديث في مصدر صحيح، وقد تكلم فيه كثير من العلماء، والذي روي عن الصنابحي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يابن الذبيحين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدا، وقد رواه الأموي في مغازيه –(راجع تفسير ابن كثير ٦-٣١)..
٤ - من الآية (١١٢) من سورة (الصافات)..