اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع﴾، أي : الفزعُ ؛ قال الشَّاعرُ :[ الطويل ]
إِذَا أخَذَتْهَا هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْبِمَنْكِبِ مِقدامٍ على الهَوْلِ أرْوَعَا(١)
يقال : رَاعَهُ يَرُوعُه، أي : أفزعهُ ؛ قال عنترةُ :[ الكامل ]
ما رَاعَنِي إِلاَّ حَمُولةُ أهْلِهَاوسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حبَّ الخِمْخِمِ(٢)
وارتاع : افتعل منه ؛ قال النابغة :[ البسيط ]
فارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كلاَّبٍ فَبَاتَ لَهُطَوْعَ الشَّوامِتِ مِنْ خَوْفٍ ومِنْ صَرَدِ(٣)
وأمَّا الرُّوعُ - بالضمِّ - فهي النَّفْسُ لأنَّها محلُّ الرَّوْعِ. ففرَّقُوا بين الحالِّ والمَحَلِّ ؛ وفي الحديث :" إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي ".
قوله :﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ عطف على " ذَهَبَ "، وجوابُ " لمَّا " على هذا محذوفٌ أي : فلمَّا كان كيت وكيت اجترأ على خطابهم، أو فطن لمجادلتهم، وقوله :" يَجَادِلُنَا " على هذا جملةٌ مستأنفةٌ، وهي الدَّالَّةُ على ذلك الجواب المحذوف.
وقيل : تقديرُ الجواب : أقبل يُجَادلنا، أو أخذ يُجَادلُنَا، ف " يُجَادِلُنَا " على هذا حالٌ من فاعل " أقبل ".
وقيل : جوابها قوله :" يُجَادلُنَا " وأوقع المضارع موقع الماضي.
وقيل : الجوابُ قوله :﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ والواوُ زائدةٌ. وقيل :" يُجَادِلُنَا " حال من " إبراهيم "، وكذلك قوله :﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ و " قَدْ " مقدرةٌ. ويجُوزُ أن يكون " يُجَادِلُنَا " حالاً من ضمير المفعول في " جَاءءَتْهُ ". و " فِي قَوْمِ لُوطٍ " أي : في شأنهم.
قوله :﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع﴾.
هذا أوَّلُ قصة قوم لوط، والمعنى : أنَّهُ لمَّا زال الخوف وحصل السُّرورُ بسبب مجيء البُشْرَى بحصول الولد، أخذ يُجَادلنا أي : رسلنا، بمعنى : يكلمنا ؛ لأنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لا يجادل ربه، إنَّما يسأله ويطلب إليه بدليل مدحه عقيب الآية بقوله :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ ولو كان جدلاً مذموماً لما مدحه بهذا المَدْح العظيم، وكانت مجادلته أن قال للملائكة : أرأيتم لو كان في مدائنِ لوطٍ خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها قالوا : لا.
قال : أو أربعون. قالوا : لا.
قال : أو ثلاثون. قالوا لا. حتَّى بلغ العشرة.
قالوا : لا. قال : أرأيتم لو كان فيها رجلٌ مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا. فعند ذلك ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته﴾ [العنكبوت: ٣٢].
١ ينظر البيت في البحر المحيط ٥/٢٣٨ وروح المعاني ١٢/١٠٢ والدر المصون ٤/١١٦..
٢ ينظر البيت في ديوانه (١٠٧) وشرح القصائد العشر (٣٢٧) وروح المعاني ١٢/١٠٢ واللسان (خمم) والتهذيب ٧/١٧ وجمهرة أشعار العرب ٢/٥٣ والدر المصون ٤/١١٦ والبحر المحيط ٥/٢٣٨..
٣ ينظر البيت في ديوانه (١٩) والقرطبي ٩/٤٩ والبحر المحيط ٥/٢٣٨ والدر المصون ٤/١١٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى