زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد :" يُهْرَعُونَ " يسرعون. وقال الفراء، والكسائي : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة. قال ابن قتيبة : الإهراع شبيه بالرعدة، يقال : أهرع الرجل : إذا أسرع، على لفظ ما لم يسم فاعله، كما يقال : أرعد. قال ابن الأنباري : الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى، كما قالت العرب : قد أولع الرجل بالأمر، فجعلوه مفعولا، وهو صاحب الفعل، ومثله : أرعد زيد، وسهي عمرو من السهو، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير المفعول، وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره. قال : وقال بعض النحويين : لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون، وتأويل " أولع زَيْدٌ " : أولعه طبعه وجبلته، و " أرعد الرجل " : أرعده غضبه، و " سهي عمرو " جعله ساهيا ماله أو جهله، و " أهرع " معناه : أهرعه خوفه ورعبه ؛ فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به. قال : وقال بعض اللغويين : لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف ؛ لا يقال لكل مسرع : مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر. قال المفسرون : سبب إهراعهم، أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف.
﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أي : ومن قبل مجيئهم إلى لوط ﴿كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيّئَاتِ﴾ يعني فعلهم المنكر.
وفي قوله :﴿هؤلاء بناتي﴾ قولان :
أحدهما : أنهن بناته لصلبه، قاله ابن عباس.
فإن قيل : كيف جمع، وقد كن اثنتين ؟
فالجواب : أنه قد يقع الجمع على اثنين، كقوله :﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
والثاني : أنه عنى نساء أمته، لأن كل نبي أبو أمته، والمعنى : أنه عرض عليهم التزويج، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم، وهذا مذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج.
فإن قيل : كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته، وكان جائزا في صدر الإسلام حتى نسخ، قاله الحسن.
والثاني : أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم، قاله الزجاج، ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح، فجاز أن يقف على شرط آخر.
قوله تعالى :﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قال مقاتل : هن أحل من إتيان الرجال.
قوله تعالى :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : اتقوا عقوبته. والثاني : اتقوا معصيته.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تُخْزُونِ في ضيفي﴾ حرك ياء " ضيفي " أبو عمرو، ونافع.
وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الفضيحة، قاله ابن عباس. والثاني : الاستحياء، والمعنى : لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه، لأن المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه. والعرب تقول : قد خزي الرجل يخزى خزاية : إذا استحيى، قال الشاعر :
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقتبها مرطها أو زايل الحلي جيدها
والثالث : أنه بمعنى الهلاك، لأن المعرة التي تقع بالمضيف في هذه الحال تلزمه هلكة، ذكرهما ابن الأنباري.
قال ابن قتيبة : والضيف هاهنا : بمعنى الأضياف، والواحد يدل على الجميع، كما تقول : هؤلاء رسولي ووكيلي.
قوله تعالى :﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ في المراد بالرشيد قولان :
أحدهما : المؤمن. والثاني : الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، رويا عن ابن عباس.
قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى : أليس منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ما تأتون ؟ فيكون الرشيد من صفة الفاعل، كالعليم والشهيد. ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى : أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة ؟ فيجري رشيد مجرى مفعول، كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى