المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها معكوسة، وأتبعهم الحجارة من السماء، وروي أن جبريل عليه السلام أخذهم بخوافي جناحه(١) : ويروى أن مدينة منها نجيت كانت مختصة بلوط عليه السلام يقال لها : زغر(٢).
و ﴿أمرنا﴾ في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً من أمر ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره مقتضى أمرنا، ويحتمل أن يكون واحد الأمور، والضمير في قوله :﴿عاليها سافلها﴾ للمدن، وأُجري ﴿أمطرنا﴾ عليها كذلك، والمراد على أهلها، وروي أنها الحجارة استوفت منهم من كانوا خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين. وروي أنه كان منهم في الحرم رجل فبقي حجره معلقاً في الهواء حتى خرج من الحرم فقتله الحجر، و «أمطر » أبداً إنما يستعمل في المكروه، ومطر يستعمل في المحبوب، هذا قول أبي عبيدة.
قال القاضي أبو محمد : وليس كذلك وقوله تعالى :﴿هذا عارض ممطرنا﴾(٣) يرد هذا القول لأنهم إنما ظنوه معتاد الرحمة، وقوله ﴿من سجيل﴾ اختلف فيه : فقال ابن زيد :﴿سجيل﴾ : اسم السماء الدنيا.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، ويرده وصفه ب ﴿منضود﴾. وقالت فرقة هو مأخوذ من لفظ السجل(٤)، أي هي من أمر كتب عليهم.
قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد، وقالت فرقة : هو مأخوذ من السجل إذا أرسل الشيء كما يرسل السجل وكما تقول : قالها مسجلة(٥).
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقالت فرقة :﴿من سجيل﴾ معناه : من جهنم لأنه يقال : سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاماً، كما قالوا : ُأصيلال وُأصيلان(٦). وقالت فرقة :﴿سجيل﴾ معناه : شديد وأنشد الطبري في ذلك [ ابن مقبلٍ ] :
. . . . . . . .ضرباً تواصى به الأبطال سجيلا(٧)
والبيت في قصيدة نونية : سجينا، وقالت فرقة :﴿سجيل﴾ لفظة أصلها غير عربية عربت أصلها سنج وكل(٨). وقيل غير هذا في أصل اللفظة. ومعنى هذا اللفظ ماء وطين. هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وغيرهم، وذهبت هذه الفرقة إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ(٩) كانت من طين قد تحجر - نص عليه الحسن -.
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يشبه. وهو الصواب الذي عليه الجمهور. وقالت فرقة : معنى ﴿سجيل﴾ حجر مخلوط بطين أي حجر وطين. قال القاضي أبو محمد : ويمكن أن يرد هذا إلى الذي قبله، لأن الآجر وما جرى مجراه يمكن أن يقال فيه حجر وطين لأنه قد أخذ من كل واحد منهما بحظه. هي طين من حيث هو أصلها. وحجر من حيث صلبت.
و ﴿منضود﴾ معناه بعضه فوق بعض.
أي تتابع ؛ وهي صفة ل ﴿سجيل﴾ وقال الربيع بن أنس :«نضده » : إنه في السماء منضود معد بعضه فوق بعض.
١ - الخوافي: ريشات أربع إذا ضمّ الطائر جناحيه خفيت، وهي بعد المناكب، والواحدة: خافية: قال في اللسان: "وفي الحديث: (إن مدينة قوم لوط حملها جبريل عليه السلام على خوافي جناحه)، قال الأصمعي: هي الريش الصغار التي في جناح الطائر، ضد القوائم، وفي حديث أبي سفيان: ومعي خنجر مثل خافية النسر"اهـ. وقول الأصمعي يذكرنا بقول رؤبة:
خلقت من جناحك الغُدافيمن القدامى لا من الخوافي
وبقول الشاعر:
"فإن الخوافي قوة للقوادم"
وفي المثل:
"ما جعل القوادم كالخوافي"..

٢ - في "التاج": وزغر كزفر أبو قبيلة.. وقيل: اسم ابنة لوط عليه السلام، ومنه زغرة بالشام لأنها نزلت بها فسميت باسمها، فهي بمشارف الشام، قال الأزهري: وإياها عنى أبو داود في قوله:
ككنانة الزغري غشاها من الذهب الدلامص.

٣ - من الآية (٢٤) من سورة (الأحقاف)..
٤ - قال في الصحاح: "السّجلّ: الصك، وقد سجّل الحاكم تسجيلا"، وفي اللسان: "وقيل: من سجيل: كقولك من سجل أي مما كتب لهم". وفي المعجم الوسيط: "سجّل: كتب في السّجل، وسجّل القاضي: حكم وقضى وأثبت حكمه في السجل". فالسجلّ هو الديوان الذي تسجّل فيه الأحكام والأشياء وتُثبت..
٥ - أي: مرسلة، هذا والسّجل هو الدّلو الضخمة المملوءة ماء، مذكر، وجمعه سجال وسجول، وإذا كان فارغا لا يقال له سجل، وإنما هو دلو. (اللسان).
.

٦ - ومن ذلك قول النابغة:
وقفت فيها أصيلانا أسائلهاعيّت جوابا وما بالربع من أحد
وأصيلان: تصغير أصيل بزيادة نون على غير قياس، والتصغير للتحبيب، وقد روي البيت باللام، أصيلالا.
.

٧ - هذا عجز بيت لابن مقبل، قال ذلك في (اللسان: سجل)، والبيت بتمامه على رواية اللسان:
ورجلة يضربون البيض عن عرضضربا تواصت به الأبطال سجينا
قال: وسجيل وسجّين بمعنى واحد. وروى عن أبي عبيدة قوله مستشهدا بهذا البيت: "من سجّيل، تأويله: كثيرة شديدة"، وروي البيت في القرطبي: "يضربون البيض ضاحية"..

٨ - قال في القرطبي: "قالت طائفة منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عرّبت، أصلها: "سنج وجيل"، ويقال: "سنك وكيل" بالكاف موضع الجيم، هما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا"..
٩ - الآجر: الطين المطبوخ، يبنى به، والواحدة: أجرّة، وآجُرّة، وآجِرّة. قال أبو عمرو: فارسي معرب، (اللسان)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى