روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ أي لم يقيموا ﴿فِيهَا﴾ متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها، والجملة إما خبر بعد خبر. أو حال بعد حال.
﴿أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العدول عن الإضمار إلى الإظهار للمبالغة في تفظيع حالهم وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم، وإنما شبه هلاكهم بهلاكهم لأن عذاب كل كان بالصيحة غير أنه روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن صيحة ثمود كانت من تحتهم. وصيحة مدين كانت من فوقهم.
وقرأ السلمي. وأبو حيوة ( بعدت ) بضم العين، والجمهور بكسرها على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك، ومنه قوله :
يقولون :
( لا تبعد ) وهم يدفوننيوأين مكان البعد إلا مكانياً
وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة، قيل : أرادت العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين، وقال ابن الأنباري : من العرب من يسوي بين الهلاك وبعد الذي هو ضد القرب، وفي القاموس البعد المعروف والموت، وفعلهما ككرم. وفرح بعداً وبعداً بفتحتين، وقال المهدوي : إن بعد بالضم يستعمل في الخير والشر. وبعد بالكسر في الشر خاصة، وكيفما كان الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضاً هلكت غاية الأمر أنه في ذلك إماحقيقة أو مجاز، ومن هلك فقد بعد ونأى كما قال الشاعر :
من كان بينك في التراب وبينهشهران فهو في غاية ( البعد )
وفي الآية ما يسمى الاستطراد، قيل : ولم يرد في القرآن من هذا النوع إلا ما في هذا الموضع وقد استعملته العرب في أشعارها، ومن ذلك قول حساب رضي الله عنه تعالى عنه :
إن كنت كاذبة الذي حدثتنيفنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهمونجا برأس طمرّة ولجام

تفسير هذه الآية من كتب أخرى