اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ الآية لما حكمة عن الكفَّار طعنهم في النُّبوة حكى عن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- جوابهم فقالوا :﴿إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ سلموا أنَّ الأمر كذلك لكنهم بيَّنوا أن التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض البشرِ بمنصب النبوة ؛ لأنَّ هذا المنصب يمُنُّ الله به على من يشاء من عباده، وإذا كان كذلك سقطت شبهتكم.
وأمَّا الجواب عن شبهة التقليد وهي قولهم : إطباقُ السلف لذلك الدين يدل على كونه حقًّا، فجوابه عين الجواب المذكور، وهو أنَّه لا يبعدُ أن يظهر الرَّجل الواحد ما لم يظهر للخلق الكثير ؛ لأن التمييز بين الحق، والباطل، والصدق، والكذب عطية من الله وفضل منه ؛ فلا يبعد أن يخص عبده بهذه العطية، ويحرم الجمع العظيم منها.
وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة أقوى منها، فأجابوا عنها بقولهم :﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي : أنَّ المعجزة التي أتينا بها حجة قاطعة قوية ودليل تام، وأمَّا الأشياء التي طلبتموها، فأمور زائدة والحكم فيه لله -تعالى- فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يظهرها فله العدل، ولا يحكم بعد ظهور قدر الكفاية.
قوله :﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبر :" كَانَ " " لَنَا "، و :" إنْ نَأتيَكُمْ " اسمها، أي : وما كان لنا إتيانكم بسورة، و﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ حالٌ، ويجوز أن يكون الخبر ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾، و " لَنا " تبين.
والظاهر أنَّ الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لما أجابوا عن شبهاتهم بهذا الجواب أخذ القوم التَّخويف، والوعيد فعند ذلك قال الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لا نخاف من تخويفكم بعد أن توكلنا على الله :﴿وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى