التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التى دارت بين الرسل وبين أعدائهم، وجانبا مما وعد الله به رسله - عليهم السلام - وجانبا من العذاب الذى أعده للظالمين فقال - تعالى - :
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ...﴾
قوله - سبحانه - :﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...﴾ حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة، وبالمنطق الحكيم.
واللام فى ﴿لنخرجكم﴾ هى الموطئة للقسم. و " أو " للتخيير بين الأمرين.
أى : وقال الذين عنوا فى الكفر - على سبيل التهديد - لرسلهم، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخرجنكم - أيها الرسل - من أرضنا، أو لتعودن فى ديننا وملتنا.
قال الإِمام الرازى : " اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا فى دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء ولنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا ".
والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.
والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين. وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعارضدين، فلهذا الأسباب قدروا على هذه السفاهة.
والتعبير بقوله - سبحانه - ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ يفيد بظاهرة أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها، فإن العود معناه : الرجوع إلى الشئ بعد مفارقته. وهذا محال، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر، فضلاً عن الشرك.
وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها :
أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع الرسل، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون، الذين كانوا قبل الإِيمن بالرسل على دين أقوامهم، فكأنهم يقولون لهؤلاء الاتباع : لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب.
ومنها : أن العود عنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيراً ما يرد " عاد " بمعنى صار، فيعمل عمل كان، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا.
ومنها : أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم، لسكوتهم قبل البعثة عن الإِنكار عليهم، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه.
وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب - عليه السلام - له ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...﴾ وقول قوم لوط له ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وقوله - سبحانه - ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾ الذين هددوكم بالإِخراج من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى