جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنّكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبّهُمْ لَنُهْلِكَنّ الظّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
( شا يقول عزّ ذكره : وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وفراق عبادة الآلهة والأوثان : لَنُخْرِجَنّكُمْ مِنْ أرْضِنا يعنون : من بلادنا، فنطردكم عنها. أوْ لَتَعُودُنّ في ملّتِنا يعنون : إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. وأدخلت في قوله : لَتَعُودُنّ لام، وهو في معنى شرط، كأنه جواب لليمين.
وإنما معنى الكلام : لنحرجنّكم من أرضنا أو تعودنّ في ملتنا، ومعنى «أو » ههنا معنى «إلا » أو معنى «حتى » كما يقال في الكلام : لأضربنك أو تقرّ لي، فمن العرب من يجعل ما بعد «أو » في مثل هذا الموضع عطفا على ما قبله، إن كان ما قبله جزما جزموه، وإن كان نصبا نصبوه، وإن كان فيه لام جعلوا فيه لاما، إذ كانت «أو » حرف نَسق. ومنهم من ينصب «ما » بعد «أو » بكل حال، ليعلم بنصبه أنه عن الأوّل منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس :فَقُلْتُ لَهُ :
بَكَى صَاحِبي لَمّا رأى الدّرْبَ دُونَهُوأيْقَنَ أنّا لاحِقانِ بقَيْصَرَا
لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنّمانحاوِلُ مُلْكا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
فنصب «نموتَ فنعذرا » وقد رفع «نحاولُ »، لأنه أراد معنى : إلا أن نموت، أو حتى نموت، ومنه قول الآخر :
لا أسْتَطِيعُ نُزُوعا عَنْ مَوَدّتِهاأو يَصْنَعُ الحُبّ بي غيرَ الّذِي صَنَعا
وقوله : فَأَوحَى إلَيْهِمْ رَبّهُمْ لَنُهْلِكَنّ الظّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم، فأوجبوا لها عقاب الله بكُفرهم وقد يجوز أن يكون قيل لهم : الظالمون لعبادتهم، مَنْ لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها إذ كان ظلما سُموا بذلك ظالمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى