اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" يتَجرَّعهُ " يجوز أن تكون الجملة صفة ل " مَاءٍ " وأن تكون حالاً من الضمير في " يُسْقَى "، وأن تكون مستأنفة، وتجرَّع :" تَفعَّل " وفيه احتمالات :
أحدها : أنه مطاو ل " جَرَّعْته " نحو " علَّمتهُ فتعلَّمَ ".
والثاني : أنه يكون للتكلف، نحو " تحَلَّم "، أي : يتَكلَّف جرعهُ، ولم يذكر الزمخشري غيره.
الثالث : أنه دالٌّ على المهلة، نحو تفهَّمتهُ، أي : يتناوله شيئاً فشيئاً بالجرع كما يفهم شيئاً فشيئاً بالتفهيم.
الرابع : أنه بمعنى جرع المجرد، نحو : عَددْتُ الشيء وتعَدَّيتُه.
والمعنى : يتحسَّاه ويشربه لا بمرة واحدة، بل يجرعهُ لِمرارَتهِ وحَرارَتهِ.
قوله :﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ في " يَكادُ " قولان :
أحدهما : أن نفيهُ إثبات، وإثباتهُ نفيٌ، فقوله :﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي : يسيغه بعد إبطاء ؛ لأن العرب تقول : ما كدت أقومُ أي : قمتُ بعد إبطاءٍ، قال تعالى :﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] أي : فعلوا بعد إبطاء، ويدلّ على حصول الإساغة قوله :﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة.
وقوله :" يَتجرَّعهُ " يدل على أنهم ساغوا الشيء بعد الشيء.
والقول الثاني : أنَّ " كَادَ " للمقاربة، فقوله " وَلا يَكادُ " لنفي المقاربة يعني ولم يقارب أن يسيغه، فكيف تحصل الإساغة ؟.
كقوله تعالى :﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، أي : لم يقرب من رؤياها، فكيف يراها ؟.
فإن قيل : فقد ذكرتم الدليل على الإساغة، فكيف يجمع بين القولين ؟.
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنَّ المعنى : ولا يسيغ جميعه.
والثاني : أنَّ الدَّليل الذي ذكرتم إنَّما دلَّ على وصول بعض ذلك الشَّراب إلى جوف الكافر، إلاَّ أن ذلك ليس بإساغة ؛ لأنَّ الإساغة في اللغة : إجراء الشرب في [ الحلق ](١) بقبول النفس، واستطابة المشروب، والكافر يتجرّع ذلك الشرب على كراهية ولا يسيغه، أي : لا يستطيبه ولا يشربه شرباً مرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل :" لا يَكَادُ " على نفي المقاربة.
قوله :﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي : أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات.
واعلم أن الموت يقع على أنواع بحسب أنواعه الحياة :
فمنها : ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله تعالى :﴿يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧].
ومنها : زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ [النمل: ٨٠].
ومنها : الحزن والخوف المكدران للحياة، كقوله تعالى :﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧].
ومنها : النوم، كقوله تعالى -عزَّ وجلَّ- ﴿والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وقد قيل : النوم : الموتُ الخفيف، والموتُ : النوم الثقيل، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، وغير ذلك، ومنه الحديث " أوْل من مَاتَ إبليسُ لأنَّهُ أوَّلُ من عَصَى ".
وحديث موسى -صلوات الله سلامه عليه- حين قال له ربه :" [ أمَا ](٢) تَعْلَمْ أنَّ مَنْ أفْقرتُهُ فقَدْ أمَتُّهُ ".
ولنرجع إلى التفسير، فنقول : قيل : بحدوث ألم الموت من كل مكان من أعضائه.
وقيل : يأتيه الموت من الجهات السّت ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ فيستريح.
قال ابن جريج : تعلق روحه عند حنجرته، ولا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيستريح فَتَنْفَعهُ الحياة، نظيره :﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: ٧٤].
قوله :﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ في الضمير وجهان :
أظهرهما : أنه عائد على " كُلِّ جبَّارٍ ".
والثاني : أنه عائد على العذاب المتقدم.
قيل : العذاب الغليظ : الخلود في النار.
وقيل : إنَّهُ في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله، وتقدم الكلام على معنى " مِن وَرائهِ ".
١ ي ب: الأصل..
٢ في أ: ألم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى