جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : يَتَجَرّعُهُ يتحسّاه، وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يقول : ولا يكاد يزدرده من شدّة كراهته، وهو يسيغه من شدّة العطش. والعرب تجعل «لا يكاد » فيما قد فُعِل، وفيما لم يفعل. فأما ما قد فعل فمنه هذا، لأن الله جلّ ثناؤه جعل لهم ذلك شرابا وأما ما لم يُفْعل وقد دخلت فيه «كاد » فقوله : حتى إذَا أخرْجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها فهو لا يراها.
وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله : وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وهو يسيغه، جاء الخبر عن رسول الله ﷺ. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطال قاني، قال : حدثنا ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ في قوله : وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرّعُهُ :«فإذَا شَرِبَهُ قَطّعَ أمْعاءَهُ حتى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ » يقول الله عزّ وجلّ : وَسَقُوا ماءً حَمِيما فَقَطّعَ أمْعاءَهُمْ، ويقول : وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِمَاءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا معمر، عن ابن المبارك، قال : حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ، في قوله : وَيُسْقَى مِنْ ماءِ صَدِيدٍ فذكر مثله، إلا أنه قال سُقُوا ماءَ حَمِيما.
حدثني محمد بن خلف العَسْقلاني، قال : حدثنا حَيْوة بن شُرَيْحِ الحِمْصِيّ، قال : حدثنا بقية، عن صفوان ابن عمرو، قال : ثني عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ مثله سواء.
وقوله : وَيأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيّت فإنه يقول : ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن كلّ موضع من أعضاء جسده. وَما هُوَ بِمَيّتِ لأنه لا تخرج نَفْسه فيموت فيستريح، ولا يحيا لتعلق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ماهد، في قوله : يَتَجَرّعُهُ وَلا يَكادُ يُسيغُهُ وَيَأَتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيّتٍ قال : تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيجد لذلك راحة فتنفعه الحياة.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : حدثنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيميّ قوله : وَيأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ قال : من تحت كلّ شعرة في جسده. وقوله : وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَليظٌ يقول : ومن وراء ما هو فيه من العذاب، يعني أمامَه وقدامَه عذاب غليظ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى