جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مّن وَرَآئِهِ جَهَنّمُ وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
يقول عزّ ذكره : مِنْ وَرَائِهِ من أمام كلّ جبار جَهَنّمُ يردونها. ووراء في هذا الموضع : يعني أمام، كما يقال : إن الموت من ورائك : أي قدامك، وكما قال الشاعر :
أتُوعِدُني وَرَاءَ بَنِي رِياحٍكَذَبْتَ لَتَقْصُرّنّ يَداكَ دُونِي
يعني وراء بني رياح : قدّام بني رياح وأمامهم.
وكان بعض نحوييّ أهل البصرة يقول : إنما يعني بقوله : مِنْ وَرَائِهِ أي من أمامه، لأنه وراء ما هو فيه، كما يقول لك : وكلّ هذا من ورائك : أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال : وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا من هذا المعنى : أي كان وراءَ ما هم في أمامَهم. وكان بعض نحويّي أهل الكوفة يقول : أكثر ما يجوز هذا في الأوقات، لأن الوقت يمرّ عليك فيصير خلفك إذا جُزته، وكذلك كان وراءهم ملك، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم. وكان بعضهم يقول : هو من حروف الأضداد، يعني وراء يكون قداما وخلفا.
وقوله : وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يقول : ويُسقى من ماء، ثم بين ذلك الماء جلّ ثناؤه وما هو، فقال : هو صديد ولذلك ردّ الصديد في إعرابه على الماء، لأنه بيان عنه، والصديد : هو القيح والدم. وكذلك تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء «ح » وحدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا شبابة، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال : قيح ودم.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ والصديد : ما يسيل من دمه ولحمه وجلده.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال : ما يسيل من بين لحمه وجلده.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك : وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ قال : يعني بالصديد : ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيْحَ والدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى