البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
يتجرعه يتكلف جرعه.
ولا يكاد يسيغه أي : ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة.
والظاهر هنا انتفاء مقاربة إساغته إياه، وإذا انتفت انتفت الإساغة، فيكون كقوله :﴿لم يكد يراها﴾ أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ؟ والحديث :«جاءنا ثم يشربه » فإن صح الحديث كان المعنى : ولا يكاد يسيغه قبل أن يشربه ثم شربه، كما جاء
﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ أي وما كادوا يفعلون قبل الذبح.
وتجرع تفعل، ويحتمل هنا وجوهاً أن يكون للمطاوعة أي جرعه فتجرع كقولك : علمته فتعلم.
وأنْ يكون للتكلف نحو : تحلم، وأن يكون لمواصلة العمل في مهلة نحو : تفهم أي يأخذه شيئاً فشيئاً.
وأن يكون موافقاً للمجرد أي : تجرعه كما تقول : عدا الشيء وتعدّاه.
ويتجرعه صفة لما قبله، أو حال من ضمير ويسقى، أو استئناف.
ويأتيه الموت أي : أسبابه.
والظاهر أنّ قوله : من كل مكان معناه من الجهات الست، وذلك لفظيع ما يصيبه من الآلام.
وقال إبراهيم التيمي : من كل مكان من جسده، حتى من أطراف شعره.
وقيل : حتى من إبهام رجليه، والظاهر أنّ هذا في الآخرة.
وقال الأخفش : أراد البلايا التي تصيب الكافر في الدنيا، سماها موتاً وهذا بعيد، لأنّ سياق الكلام يدل على أنّ هذا من أحوال الكافر في جهنم.
وقوله : وما هو بميت لتطاول شدائد الموت، وامتداد سكراته.
ومن ورائه الخلاف في من ورائه كالخلاف في من ورائه جهنم.
وقال الزمخشري : ومن بين يديه عذاب غليظ أي : في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ.
وعن الفضيل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد انتهى.
وقيل : الضمير في ورائه هو يعود على العذاب المتقدم لا على كل جبار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى