السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
ولما ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أنّ سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة، وذلك هو الخسران الشديد بقوله تعالى :﴿مثل﴾، أي : صفة ﴿الذين كفروا بربهم أعمالهم﴾، أي : الصالحة كصدقة وصلة رحم وفك أسير، وإقراء ضيف، وبر والد في عدم الانتفاع بها ﴿كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف﴾، أي : شديد هبوب الريح، فجعلته هباء منثوراً لا يقدر عليه كما قال تعالى :﴿لا يقدرون﴾، أي : الكفار يوم الجزاء ﴿مما كسبوا﴾، أي : عملوا في الدنيا ﴿على شيء﴾، أي : لا يجدون لهم ثواباً لفقد شرطه وهو الإيمان. وقرأ نافع ( الرياح ) بالجمع، والباقون بالإفراد. ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون ﴿هو الضلال البعيد﴾، أي : الخسران الكبير لأنّ أعمالهم ضلت وهلكت فلا يرجى عودها.
تنبيه : في ارتفاع قوله تعالى :﴿مثل﴾ أوجه : أحدها : وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله تعالى :﴿أعمالهم كرماد﴾ مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم ؟ فقيل أعمالهم كرماد.
والثاني : وهو مذهب الفراء التقدير : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه، وهو قوله تعالى :﴿أعمالهم﴾ ومثله قوله تعالى :﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة﴾ [ الزمر، ٦٠ ] المعنى : ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودّة.
الثالث : أن يكون التقدير : صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقوله : صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول.
الرابع : أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله :﴿مثل الذين كفروا﴾، والتقدير مثل أعمالهم وقوله تعالى :﴿كرماد﴾ هو الخبر. وقيل : غير ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى