جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾.
( شا اختلف أهل العربية في رافع مَثَلُ، فقال بعض نحويّي البصرة : إنما هو كأنه قال : ومما نقصّ عليك مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا، ثم أقبل يفسر كما قال : مَثَلُ الجَنّة، وهذا كثير. وقال بعض نحوّيي الكوفيين : إنما المَثَل للأعمال، ولكن العرب تُقَدّم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه. معنى الكلام : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرَماد، كما قيل : وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الّذِين كَذَبُوا على اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدّةٌ ومعنى الكلام : ترى ويوم القيامة وجوه الذين كذبوا على الله مسودّة. قال : ولو خفض الأعمال جاز، كما قال : يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ. . . الآية. وقوله : مَثَلُ الجَنّةِ التي وُعِدَ المُتّقُونَ تَجْرِفي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ قال : فتجري هو في موضع الخبر، كأنه قال : أن تجريَ، وأن يكون كذا وكذا، فلو أدخل «أن » جاز، قال : ومنه قول الشاعر :
| ذَرِيني إنّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعا | وَما ألْفَيْتِني حِلْمِي مُضَاعَا |
ثديك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب
وقوله : ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعيدُ : أي الخطأ البين البعيد عن طريق الحقّ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العربية في رافعِ "مَثَلُ".
فقال بعض نحويي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقصّ عليكم مَثَلُ الذين كفروا، ثم أقبل يفسّر، كما قال: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) [سورة الرعد: ٣٥]، وهذا كثير. (٣)
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدّم الأسماء، لأنها أعرفُ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه. ومعنى الكلام: مَثَلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، كما قيل: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [سورة الزمر: ٦٠]، ومعنى الكلام: (٤) ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. قال: ولو خفض "الأعمال" جاز، كما قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية [سورة البقرة: ٢١٧]، . وقوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ)
(٢) انظر تفسير " الغليظ " فيما سلف ٧: ٣٤١ / ١٤: ٣٦٠، ٥٧٦ / ١٥: ٣٦٦.
(٣) انظر ما سلف قريبًا: ٤٦٩ - ٤٧٢
(٤) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٨، وسيبويه ١: ٧٧.
ذَرِينِي إِنَّ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعَا... وَمَا أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعَا... (٢)
قال: فالحلمُ منصوبٌ ب "ألفيتُ" على التكرير، (٣) قال: ولو رفعه كان صوابًا. قال: وهذا مثلٌ ضربه الله لأعمال الكفّار فقال: مَثَلُ أعمال الذين كفروا يوم القيامة، التي كانوا يعملونها في الدنيا يزعمُون أنهم يريدون الله بها، مَثَلُ رمادٍ عصفت الريح عليه في يومِ ريح عاصفٍ، فنسفته وذهبت به، فكذلك
(٢) سيبويه ١: ٧٧، ٧٨ / والخزانة ٢: ٣٦٨، ٣٦٩ / والعيني بهامش الخزانة ٤: ١٩٢ / وسيأتي في التفسير ٢٤: ١٥ (بولاق)، من أبيات عزيزة هذا أولها، يقول بعده:
| ألاَ تِلْكَ الثَّعَالِبُ قَدْ تَعَاوَتْ | عَلَيَّ وَحَالَفَتْ عُرْجًا ضِبَاعَا |
| لِتَاكُلَنِي، فَمَرَّ لَهُنَّ لَحْمِي | وأَذْرَقَ مِنْ حِذَارِي أَوْ أَتَاعَا |
| فَإِنْ لَمْ تَنْدَمُوا فَثَكِلْتُ عَمْرًا | وَهَاجَرْتُ المُرَوَّقَ والسَّماعَا |
| وَلاَ وَضَعَتْ إِلَيَّ عَلَى فِرَاشٍ | حَصَانٌ يَوْمَ خَلْوَتِهَا قِنَاعَا |
| وَلاَ مَلَكَتْ يَدَايَ عِنَانَ طِرْفٍ | ولا أَبْصَرْتُ من شَمْسٍ شُعَاعَا |
| وخُطَّةِ مَاجِدٍ كَلَّفْتُ نَفْسِي | إِذَا ضَاقُوا رَحُبْتُ بِهَا ذِرَاعَا |
(٣) " التكرير "، هو البدل عند البصريين، ويسميه الكوفيون أيضًا " التبيين "، انظر ما سلف ٥٢٩ تعليق: ٢.
يقول الله عز وجل: (ذلك هو الضلال البعيد)، يعني أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، التي يشركون فيها مع الله شركاء، هي أعمالٌ عُملت على غير هُدًى واستقامة، بل على جَوْر عن الهُدَى بعيد، وأخذٍ على غير استقامة شديد.
* * *
وقيل: (في يوم عاصف)، فوصف بالعُصوف اليومَ، (١) وهو من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه، كما يقال: "يوم بارد، ويوم حارّ"، لأن البردَ والحرارة يكونان فيه، (٢) وكما قال الشاعر: (٣)
* يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا * (٤)
فوصف اليومين بالغيمين، وإنما يكون الغيم فيهما. وقد يجوز أن يكون أريد به: في يوم عاصف الريح، فحذفت "الريح"، لأنها قد ذكرت قبل ذلك، فيكون ذلك نظير قول الشاعر: (٥)
* إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ * (٦)
يريد: كاسفُ الشمس. وقيل: هو من نعت "الريح" خاصة، غير أنه
(٢) انظر تفسير " عاصف " فيما سلف ١٥: ٥١.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) سيأتي في التفسير ٢٤: ٦٧ (بولاق)، وبعده هناك: * نَجْمَيْنِ بِالسَّعْدِ ونَجْمًا نَحْسَا *
(٥) هو مسكين الدارمي.
(٦) من أبيات خرجتها فيما سلف ٧: ٥٢٠، تعليق: ٣. وانظر الخزانة ٢: ٣٢٣ وصدر البيت: * وتَضْحَكُ عِرْفَانَ الدُّرُوعِ جُلُودُنَا *
| تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ | مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلا نَدَبُ (٢) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: (كرماد اشتدت به الريح)، قال: حملته الريح في يوم عاصف.
٢٠٦٣٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف)، يقول: الذين كفروا بربهم وعبدوا غيرَه، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِل في يوم عاصف. (٣)
* * *
(٢) ديوانه: ٤، من عقيلته المحجبة بالحسن. وهذا البيت من أبيات في صفة صاحبته مي.
= و " السنة "، ما أقبل عليك من الوجه وصفحة الحد مصقولا يلوح. و " غير مقرنة "، لا يشوب معارفها ولا لونها شيء يهجنها، وذلك من عتقها. و " الندب "، أثر الجرح إذا لم يرتفع.
(٣) في المطبوعة: " إذا أرسل عليه الريح في يوم عاصف "، زاد ما لا معنى له.
* * *
= وانظر تفسير " الضلال "، و " البعيد "، فيما سلف من فهارس اللغة.