غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿الرياح﴾ على الجمع : أبو جعفر ونافع. الباقون على التوحيد ﴿خالق السموات والأرض﴾ بلفظ اسم الفاعل : حمزة وعلي وخلف. الباقون بلفظ الفعل. ﴿سبلنا﴾ بإسكان الباء حيث كان : أبو عمرو ﴿لي عليكم﴾ بفتح الياء : حفص. ﴿بمصرخي﴾ بكسر الياء : حمزة. الآخرون بالفتح ﴿أشركتموني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿البوار﴾ ممالة : أبو عمرو وعلي :﴿ليضلوا﴾ بفتح الياء : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بضمها. ﴿لعبادي الذين﴾ مرسلة : الياء : ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى. الباقون بالفتح. ﴿من كل﴾ بالتنوين : يزيد وعباس. الباقون بالإضافة.
الوقوف :﴿عاصف﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿على شيء﴾ ط ﴿البعيد﴾ ٥ ﴿بالحق﴾ ط ﴿جديد﴾ ٥ لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿بعزيز﴾ ٥ ﴿من شيء﴾ ط ﴿لهديناكم﴾ ط ﴿محيص﴾ ٥ ﴿فأخلفتكم﴾ ط ﴿فاستجبتم لي﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿أنفسكم﴾ ط لابتداء النفي ﴿بمصرخي﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله :﴿إني كفرت﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿من قبل﴾ ط ﴿أليم﴾ ٥ ﴿بإذن ربهم﴾ ط ﴿سلام﴾ ٥ ﴿في السماء﴾ ٥ لا ﴿ربها﴾ ط ﴿يتذكرون﴾ ٥ ﴿من قرار﴾ ط ﴿وفي الآخرة﴾ ج لتكرار اسم الله تعالى في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله :﴿ويفعل الله﴾ لأنه في المعنى بيان قوله :﴿ويضل الله﴾ ﴿وما يشاء﴾ ٥ ﴿البوار﴾ لا ﴿جهنم﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿أحلوا﴾ أو من مفعوله أو من كليهما ﴿يصلونها﴾ ط ﴿القرار﴾ ٥ ﴿عن سبيله﴾ ط ﴿إلى النار﴾ ٥ ﴿ولا خلال﴾ ٥ ﴿رزقاً لكم﴾ ط ﴿بأمره﴾ ج ﴿الأنهار﴾ ج ﴿دائبين﴾ ج ﴿والنهار﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿سألتموه﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿لا تحصوها﴾ ط ﴿كفار﴾ ٥.
التفسير : لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غاية حسرتهم ونهاية خيبتهم. فقال :﴿مثل الذين﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم. وقوله :﴿أعمالهم كرماد﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم. وقال الفراء : المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا. وإنما جاز حذفه استغناء بذكره ثانياً. وقيل : المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿أعمالهم كرماد﴾ كقولك " صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون " ويجوز أن يكون ﴿أعمالهم﴾ بدلاً والخبر ﴿كرماد﴾ وحده. والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف. قال الزجاج : جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازاً كقولك " يوم ماطر ". قال الفراء : وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة. وقيل : المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام. ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً. ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به. وقوله :﴿مما كسبوا على شيء﴾ القياس عكسه كما في " البقرة " لأن " على " من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله :﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ أي عن الحق والثواب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى