الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : قرأ أبو عبد الرحمن بسكونِ الراء وفيه وجهان، أحدُهما : أنه أَجْرَى الوصلَ مُجْرى الوقف. والثاني : أنَّ العربَ حَذَفَتْ لامَ الكلمة عند عدمِ الجازمِ فقالوا :" ولو تَرَ ما الصبيانُ " فلما دخل الجازمُ تخيَّلوا أن الراءَ محلُّ الجزم، ونظيرُه : لم أُبَلْ فإنَّ أصلَه أبالي، ثم حذفوا لامَه رفعاً فلمَّا جزموه لم يَعْتَدُّوا بلامِه، وتوهَّموا الجزم في اللام.
والرؤية هنا قلبيةٌ ف " أنَّ " في محلِّ المفعولَيْن أو أحدهما على الخلاف. وقرأ الأخَوان هنا ﴿خالقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ " خالق " اسمُ فاعلٍ مضافاً لِما بعده، فلذلك خفضوا ما عُطِفَ عليه وهو الأرض. وفي النور :
﴿خَالقُ كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [ الآية : ٤٥ ] اسمُ فاعل مضافاً لما بعده. والباقون " خَلَقَ " فعلاً ماضياً، ولذلك نصبوا " الأرضَ " و ﴿كُلِّ دَآبَّةٍ﴾، فكسرُه " السماواتِ " في قراءة الأخوين خفضٌ، وفي قراءةِ غيرِهما نصبٌ. / ولو قيل بأنه في قراءة الأخوين يجوزُ نَصْبُ " الأرضَّ " على أحدِ وجهين : إمَّا على المحلِّ، وإمَّا على حَذْفِ التنوين لالتقاء الساكنين، فتكون " السماواتِ " منصوبةً لفظاً وموضعاً، لم يمتنعْ، ولكن لم يُقْرأْ به.
و " بالحقِّ : متعلِّقٌ ب " خلق " على أن الباءَ سببيةٌ، وبمحذوفٍ على أنها حاليةٌ : إمّا من الفاعلِ، أي : مُحِقَّاً، وإمَّا من المفعول، أي : ملتبسةً بالحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى