فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿الر﴾ قد تقدم الكلام في أمثال هذا، وبيان قول من قال إنه غير متشابه، وهو إما مبتدأ خبره كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، ويكون ﴿كِتَابٌ﴾ خبراً لمحذوف مقدّر، أو خبراً ثانياً لهذا المبتدأ، أو يكون ﴿الر﴾ مسروداً على نمط التعديد فلا محلّ له، و﴿أنزلناه إِلَيْكَ﴾ صفة لكتاب : أي أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، ومعنى ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية. جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور على طريقة الاستعارة، واللام في ﴿لتخرج﴾ للغرض والغاية، والتعريف في الناس للجنس، والمعنى : أنه ﷺ يخرج بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا إليه من النور. وقيل : إن الظلمة مستعارة للبدعة، والنور مستعار للسنّة. وقيل : من الشك إلى اليقين. ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور، والباء في ﴿بِإِذْنِ رَبّهِمْ﴾ متعلقة ب «تخرج »، وأسند الفعل إلى النبي ﷺ ؛ لأنه الداعي والهادي والمنذر. قال الزجاج : بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ هو بدل من ﴿إلى النور﴾ بتكرير العامل كما يقع مثله كثيراً، أي : لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها لعباده، وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها، ويجوز أن يكون مستأنفاً بتقدير سؤال، كأنه قيل : ما هذا النور الذي أخرجهم إليه ؟ فقيل : صراط العزيز الحميد، والعزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ قال : من الضلالة إلى الهدى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله :﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ قال : يختارون. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : إن الله فضل محمداً على أهل السماء وعلى الأنبياء، قيل : ما فضله على أهل السماء ؟ قال : إن الله قال لأهل السماء :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وقال لمحمد :﴿لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فكتب له براءة من النار. قيل : فما فضله على الأنبياء ؟ قال : إن الله يقول :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، وقال لمحمد :﴿وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الإنس والجنّ. وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان ﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ قال : نزل القرآن بلسان قريش. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير في قوله :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا﴾ قال : بالآيات التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَنْ أَخْرِج قَوْمكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ قال : من الضلالة إلى الهدى. وأخرج النسائي، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ في قوله :﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ قال : بنعم الله وآلائه وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ قال : نعم الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ قال : وعظهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال : بوقائع الله في القرون الأولى. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿إِنَّ فِي ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال : نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.