الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنَّ " ضَرَبَ " متعديةٌ لواحدٍ، بمعنى : اعتمد مثلاً، ووضَعَه، و " كلمةً " على هذا منصوبةٌ بمضمرٍ، أي : جعل كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة، وهو تفسيرٌ لقولِه ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً﴾ كقولك :" شرَّفَ الأميرُ زيداً ساه حُلَّة، وحمله على فرس "، وبه بدأ الزمخشري. قال الشيخ :" وفيه تكلُّفُ إضمار لا ضرورةَ تدعو إليه ". قلت : بل معناه إليه فيُضطرُّ إلى تقديرِهِ محافظةً على لَمْح هذا المعنى الخاصِّ.
الثاني : أنَّ " ضَرَب " متعديةٌ لاثنين لأنها بمعنى " صَيَّر "، لكنْ مع لفظ " المَثَل " خاصة، وقد تقدَّم تقريرُ هذا أولَ هذا الموضوعِ، فتكون " كلمةً " مفعولاً أولَ، و " مَثَلاً " هو الثاني، فيما تقدَّم.
الثالث : أنه متعدٍّ لواحدٍ وهو " مَثَلاً " و " كلمةً " بدلٌ منه، و " كشجرةٍ " خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي : هي كشجرةٍ طيبةٍ، وعلى الوجهين قبله تكون " كشجرةٍ " نعتاً ل " كلمة ".
وقُرِئ " كلمةٌ " بالرفع، وفيها وجهان. أحدهما : أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي : هو، أي : المَثَلُ كلمةٌ طيبةٌ، " كشجرةٍ " على هذا نعتاً لكلمة. والثاني : أنها مرفوعةٌ بالابتداء، و " كشجرةٍ " خبرُه.
وقرأ أنس بن مالك " ثابتٍ أصلُها ". قال الزمخشري :" فإن قلت : أيُّ فرقٍ بين القراءتين ؟ قلت : قراءةُ الجماعةِ أقوى معنىً ؛ لأنَّ قراءةَ أنسٍ أُجْرِيَتِ الصفةُ على " الشجرة " / وإذا قلت :" مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ " فهو أقوى مِنْ " برجل قائمٍ أبوه " لأنَّ المُخْبَرَ عنه إنما هو الأبُ لا رجل ".
والجملةُ مِنْ قولِه " أصلُها ثابتٌ " في محلِّ جرّ نعتاً لشجرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى