مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ أي وصفه وبينه ﴿كَلِمَةً طَيّبَةً﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ﴾ وهو تفسير لقوله :﴿ضرب الله مثلاً﴾ نحو شرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس، أو انتصب ﴿مثلا﴾ ً و ﴿كلمة﴾ ب ﴿ضرب﴾ أي ضرب كلمة طيبة مثلاً يعني جعلها مثلاً ثم قال ﴿كشجرة طيبة﴾ على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أي في الأرض ضارب بعروقه فيها ﴿وَفَرْعُهَا﴾ وأعلاها ورأسها ﴿فِي السماء﴾ والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملاً فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملاً ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الأثمار. والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة، فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم :« إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي ؟ » فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت رسول الله ﷺ أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله ﷺ :« ألا إنها النخلة » فقال عمر : يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم