اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ الآية اعلم أنَّه -تعالى- عاد إلى وصف الكافرين فقال -عز وجل- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ﴾.
قال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- :﴿الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ هم والله كفار قريش " بدَّلُوا " أي : غيروا " نعِْمةَ اللهِ " عليم في محمد -صلوات الله وسلامه عليه- حيث ابتعثه الله منهم كفروا به :" أحَلُّوا " أنزلوا :" قَوْمهُمْ " من على كفرهم :" دَارَ البَوارِ " (١) الهلاك.
ثم بيَّن دار البوار فقال :﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ المستقر، وقال عليٌّ : هم كفار قريش نُحروا يوم بدرٍ.
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو [ مخزوم ](٢)، فأما بنو أمية فمُتِّعُوا إلى حين، وأما بنو مخزوم، [ فأهلكوا ](٣) يوم بدر قاله علي ابن أبي طالب، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-(٤).
وعن ابن عباس وقتادة -رضي الله عنهما- : نزلت في منتصري العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
وقال الحسنُ -رضي الله عنه- : هي عامَّة في جميع المشركين(٥).
قوله تعالى :﴿بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ فيه أوجه :
أحدها : أن الأصل : بدلوا شكر نعمة الله كفراً، كقوله تعالى :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣] أي شكر رزقكم ؛ وجب عليهم الشكر ؛ فوضعوا موضعه الكفر.
والثاني : أنَّهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنَّهم لما كفروها سلبوها، فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر حاصلاً لهم، قالهما الزمخشريُّ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وقد تقدَّم أن " بدَّل " يتعدى لاثنين :
أولهما : من غير حرف.
والثاني : بالباء، وأن الجمهور هو المتروك والمنصوب هو الحاصل، ويجوز حذف الحروف فيكون المجرور بالباء هنا هو " نِعْمَةً " ؛ لأنها المتروكة.
وإذاً عرف أنَّ قول الحوفي، وأبي البقاءِ : أن " كُفْراً " هو المفعولُ الثاني ليس بجيد ؛ لأنه هو الَّذي يصلُ إليه الفعل بنفسه لا بحرف الجر، ما كان كذا فهو المفعول الأول.
١ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٣٥)..
٢ في أ: المغيرة..
٣ في أ: فكفيتموهم..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٥٢) عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٥٦) عن عمر وزاد نسبته إلى للبخاري في "تاريخه" وابن المنذر وابن مردويه.
وأخرجه الحاكم (٢/٣٥٢) من طريق أبي إسحاق عن عمر ذي مر عن علي وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وتعقبهما الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٤٧) حيث أورد الحديث وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمرو ذو مر لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي. وأثر علي أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٥٧) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه..

٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٥٤) عن مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس بمعناه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى