فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : هذا خطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، وهو تعجيب من حال الكفار حيث جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر أي : بدل شكرها الكفر بها، وذلك بتكذيبهم محمدًا ﷺ حين بعثه الله منهم، وأنعم عليهم به، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنهم كفار مكة وأن الآية نزلت فيهم. وقيل : نزلت في الذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر. وقيل : نزلت في بطنين من بطون قريش بني مخزوم، وبني أمية. وقيل : نزلت في متنصرة العرب. وهم جبلة بن الأيهم وأصحابه، وفيه نظر، فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلاّ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقيل : إنها عامة في جميع المشركين. وقيل : المراد بتبديل نعمة الله كفراً أنهم لما كفروها سلبهم الله ذلك فصاروا متبدّلين بها الكفر ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ أي : أنزلوا قومهم بسبب ما زينوه لهم من الكفر دار البوار، وهي جهنم، والبوار : الهلاك ؛ وقيل : هم قادة قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار أي : الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به، ومنه قول الشاعر :
فلم أرَ مثلهم أبطال حربغداة الحرب إذ خيف البوار
والأوّل أولى لقوله :﴿جَهَنَّمَ﴾ فإنه عطف بيان لدار البوار، و﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ في محل نصب على الحال، أو هو مستأنف لبيان كيفية حلولهم فيها ﴿وَبِئْسَ القرار﴾ أي : بئس القرار قرارهم فيها، أو بئس المقرّ جهنم، فالمخصوص بالذمّ محذوف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا﴾ قال : هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا﴾ قال : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن عليّ في الآية نحوه أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي الطفيل، أن ابن الكوّاء سأل علياً عن الذين بدلوا نعمة الله كفراً. قال : هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال : فمن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : منهم أهل حروراء. وقد روي في تفسير هذه الآية عن عليّ من طرق نحو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هم جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ قال : الهلاك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿وَجَعَلُوا للَّهِ أَندَادًا﴾ قال : أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار﴾ قال : بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ﴾ قال : دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قال : من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان التيمي قال : إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرجا أيضاً عن بكر بن عبد الله المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلاّ في مطعمه ومشربه، فقد قلّ عمله وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داود عليه السلام :( ربّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ، فأوحى إليّ : يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك ). وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل : يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر ؟ قال :﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى