غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
سورة إبراهيم عليه السلام مكية غير آيتين نزلتا في بدر ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا﴾ الآيتان حروفها ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون كلها ثمانمائة وخمسة وخمسون آياتها اثنتان وخمسون.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله :﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ أي بعض جميع ما سألتموه. ومن قرأ بالتنوين ف " ما " إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال. ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها. قال الواحدي : النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع. ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله تعالى على عباده. وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب. وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة. قال الحكيم : إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها. أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر. وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك ؟ إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا الجنس ﴿لظلوم﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿كفار﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها. وقيل : ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع. واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله :﴿إن الله لغفور رحيم﴾ وكأنه قال : إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله :﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ أي بعض جميع ما سألتموه. ومن قرأ بالتنوين ف " ما " إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال. ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها. قال الواحدي : النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع. ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله تعالى على عباده. وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب. وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة. قال الحكيم : إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها. أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر. وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك ؟ إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا الجنس ﴿لظلوم﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿كفار﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها. وقيل : ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع. واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله :﴿إن الله لغفور رحيم﴾ وكأنه قال : إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.