البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
لما ذكر أنه تعالى عمم ما يخفى هو ومن كنى عنه، تمم جميع الأشياء، وأنها غير خافية عنه تعالى.
وقيل : وما يخفى الآية من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله تعالى :﴿وكذلك يفعلون﴾ والظاهر أنْ هذه الجمل التي تكلم بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم تقع منه في زمان واحد، وإنما حكى الله عنه ما وقع في أزمان مختلفة، يدل على ذلك أن إسحاق لم يكن موجوداً حالة دعائه، إذ ترك هاجر والطفل بمكة.
فالظاهر أنّ حمده الله تعالى على هبة ولديه له كان بعد وجود إسحاق، وعلى الكبر يدل على مطلق الكبر، ولم يتعرض لتعيين المدة التي وهب له فيها ولداه.
وروي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.
وقيل : إسماعيل لأربع وستين، وإسحاق لتسعين.
وعن ابن جبير : لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.
وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة فيها بهبة الولد أعظم من حيث أنّ الكبر مظنة اليأس من الولد، فإنّ مجيء الشيء بعد الإياس أحلى في النفس وأبهج لها.
وعلى الكبر في موضع الحال لأنه قال : وأنا كبير، و( على ) على بابها من الاستعلاء لكنه مجاز، إذ الكبر معنى لا جرم يتكون، وكأنه لما أسنّ وكبر صار مستعلياً على الكبر.
وقال الزمخشري : على في قوله على الكبر بمعنى مع، كقوله :
إني على ما ترين من كبريأعلم من حيث يؤكل الكتف
وكنى بسميع الدعاء عن الإجابة والتقبل، وكان قد دعا الله أن يهبه ولداً بقوله :﴿رب هب لي من الصالحين﴾ فحمد الله على ما وهبه من الولد وأكرمه به من إجابة دعائه.
والظاهر إضافة سميع إلى المفعول وهو من إضافة المثال الذي على وزن فعيل إلى المفعول، فيكون إضافة من نصب، ويكون ذلك حجة على إعمال فعيل الذي للمبالغة في المفعول على ما ذهب إليه سيبويه، وقد خالف في ذلك جمهور البصريين، وخالف الكوفيون فيه.
وفي إعمال باقي الخمسة الأمثلة فعول، وفعال، ومفعال، وفعل، وهذا مذكور في علم النحو.
ويمكن أن يقال في هذا ليس ذلك إضافة من نصب فيلزم جواز إعماله، بل هي إضافة كإضافة اسم الفاعل في نحو : هذا ضارب زيد أمس.
وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد : سماع الله انتهى.
وهو بعيد لاستلزامه أن يكون من باب الصفة المشبهة، والصفة متعدية، ولا يجوز ذلك إلا عند أبي علي الفارسي حيث لا يكون لبس.
وأما هنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر أنه من إضافة المثال للمفعول، لا من إضافته إلى الفاعل.
وإنما أجاز ذلك الفارسي في مثل : زيد ظالم العبيد إذا علم أنّ له عبيداً ظالمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى