الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ﴾ مبتدأ خبره : أولئك في ضلال بعيد ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين، ومنصوباً على الذمّ. أو مرفوعاً على أعني الذين يستحبون أو هم الذين يستحبون، والاستحباب : الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة ؛ لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إِليه وأفضل عندها من الآخر. وقرأ الحسن «ويصِدّون »، بضم الياء وكسر الصاد. يقال : صدّه عن كذا، وأصدّه، قال :
أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ ***
والهمزة فيه داخلة على صدّ صدوداً، لتنقله من غير التعدّي إلى التعدّي. وأما صدّه، فموضوع على التعدية كمنعه، وليست بفصيحة كأوقفه ؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بصدّه ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل : ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل ﴿فِى ضلال بَعِيدٍ﴾ أي ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل.
فإن قلت : فما معنى وصف الضلال بالبعد. قلت : هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ ؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول : جدّ جدّه، ويجوز أن يراد : في ضلال ذي بعد. أو فيه بعد : لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى