اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء :﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ مفعول ثان ل :" أنْذر "، أي : خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك : أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً ؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل : إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في :" العَذابُ " للمعهود السَّابق، أي : وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.

فصل


حمل أبو مسلم قوله :﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى :﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخّرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]، وظاهر الآية يشهد بخلافه ؛ لأنه -تعالى- وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم :﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم :﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل : طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم :﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾، فقوله :" نُجِبْ " جواب الأمرِ.
قوله :﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ من قبل﴾ قال الزمخشري :" على إرادة القول وفيه وجهان : أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً ".
و " مَا لكُمْ " جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله :" أقْسَمْتُمْ "، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل :" مَا لنَا ".
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله -عزَّ وجلَّ- أو الملائكة -عليهم السلام- أي : فيقال لهم :" أو لم تكونوا "، وهو أظهر من الأول، أعني ؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى :﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى