اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [ لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] (١) ويجوز في " يَوْمَ " عدة أوجه :
أحدها : أن ينتصب منصوباً ب " انتقام " أي : يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني : أن ينتصب ب " اذكُر ".
الثالث : ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع : أن يكون بدلاً من :" يَوْمَ يَأتِيهِمْ ".
الخامس : أن ينتصب ب " مُخْلِفَ ".
السادس : أن ينتصب ب " وَعْدِهِ "، و " إنَّ " وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال(٢) :" لأن ما قبل " إنَّ " لا يعمل فيما بعدها ".
وهذا غير مانع ؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
التَّبديلُ يحتمل وجهين :
الأول : أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول : بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى :﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ويقال : بدّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر :[ الطويل ]
الثاني : أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك : بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله -تعالى- :﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦].
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان :
الأول : قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾(٤) [طه: ١٠٧] وقال ﷺ :" تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [ العكاظي ](٥) لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ". وتبدل السماوات بانتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها ؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان(٦).
والقول الثاني : تبديل الذات. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- : تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها دمٌ، ولم يعمل عليها خطيئة(٧).
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ : لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل : المراد من تبديل الأرض والسماوات : هو أنَّ الله -تعالى-، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السماوات الجنة بدليل قوله تعالى :﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: ٧] وقوله -عزَّ وجلَّ- ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وقالت عائشة -رضي الله عنها- : سألتُ رسُول الله ﷺ عن قوله تعالى :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ ؟ فقال ﷺ :" على الصِّراطِ " (٨).
وروى ثوبانُ -رضي الله عنه- أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله ﷺ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ ؟ قال :" هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ " (٩).
قوله " والسماوات " تقديره : وتبدل السماوات غير السماوات.
وقرئ(١٠) :" نُبَدّلُ " بالنون :" الأرض " نصباً " والسماوات " نسق عليه.
قوله " وبَرَزُوا " فيه وجهان :
أحدهما : أنها حملةٌ مستأنفة، أي : يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] لتحقُّّق ذلك.
والثاني : أنها حال من " الأرض "، و " قَدْ " معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في :" بَرَزُوا " للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد(١١) بن علي " وبُرِّزُوا " بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: ٢١]، وإنما ذكر " الوَاحدِ القهَّارِ " هنا ؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، فكان الأمر في غية الصعوبة.
أحدها : أن ينتصب منصوباً ب " انتقام " أي : يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني : أن ينتصب ب " اذكُر ".
الثالث : ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع : أن يكون بدلاً من :" يَوْمَ يَأتِيهِمْ ".
الخامس : أن ينتصب ب " مُخْلِفَ ".
السادس : أن ينتصب ب " وَعْدِهِ "، و " إنَّ " وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال(٢) :" لأن ما قبل " إنَّ " لا يعمل فيما بعدها ".
وهذا غير مانع ؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين :
الأول : أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول : بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى :﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ويقال : بدّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر :[ الطويل ]
| فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ | ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ(٣) |
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان :
الأول : قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾(٤) [طه: ١٠٧] وقال ﷺ :" تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [ العكاظي ](٥) لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ". وتبدل السماوات بانتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها ؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان(٦).
والقول الثاني : تبديل الذات. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- : تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها دمٌ، ولم يعمل عليها خطيئة(٧).
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ : لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل : المراد من تبديل الأرض والسماوات : هو أنَّ الله -تعالى-، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السماوات الجنة بدليل قوله تعالى :﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: ٧] وقوله -عزَّ وجلَّ- ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وقالت عائشة -رضي الله عنها- : سألتُ رسُول الله ﷺ عن قوله تعالى :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ ؟ فقال ﷺ :" على الصِّراطِ " (٨).
وروى ثوبانُ -رضي الله عنه- أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله ﷺ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ ؟ قال :" هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ " (٩).
قوله " والسماوات " تقديره : وتبدل السماوات غير السماوات.
وقرئ(١٠) :" نُبَدّلُ " بالنون :" الأرض " نصباً " والسماوات " نسق عليه.
قوله " وبَرَزُوا " فيه وجهان :
أحدهما : أنها حملةٌ مستأنفة، أي : يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] لتحقُّّق ذلك.
والثاني : أنها حال من " الأرض "، و " قَدْ " معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في :" بَرَزُوا " للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد(١١) بن علي " وبُرِّزُوا " بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: ٢١]، وإنما ذكر " الوَاحدِ القهَّارِ " هنا ؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، فكان الأمر في غية الصعوبة.
١ سقط من ب..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٧١..
٣ ينظر: مجالس ثعلب ١/٤٩، روح المعاني ١٣/٢٥٤، الكشاف ٢/٣٨٤، شواهد الكشاف ٤/٢٥٨، البحر المحيط ٥/٤٢٧، العقد الفريد ٢/١٤٨، الدر المصون ٤/٢٨١...
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٩/١١٦)..
٥ في ب: العاكظي..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٨٢)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٧٩) والحاكم (٤/٥٧٠) والطبراني في "الكبير" كما في "المجمع" (٧/٤٨).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/٤٨) وقال: وإسناده جيد.
وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث"..
٨ أخرجه مسلم (٤/٢١٥٠) كتاب صفات المنافقين: باب في البعث والنشور حديث (٢٩/٢٧٩١). والترمذي (٥/٢٧٦) كتاب التفسير حديث (٣١٢١) وابن ماجه (٤٢٧٩) واستدركه الحاكم (٢/٣٥٢) من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة وهو في مسلم بهذا الإسناد.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه..
٩ أخرجه مسلم (١/٢٥٢) كتاب الحيض: باب بيان صفة مني الرجل والمرأة حديث (٣٤٠/٣١٥) والطبري (٧/٤٨٣) والحاكم (٣/٤٨٢) من حديث ثوبان.
١٠ /٥٦٧ والبحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢. ينظر: الكشاف.
١١ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٧١..
٣ ينظر: مجالس ثعلب ١/٤٩، روح المعاني ١٣/٢٥٤، الكشاف ٢/٣٨٤، شواهد الكشاف ٤/٢٥٨، البحر المحيط ٥/٤٢٧، العقد الفريد ٢/١٤٨، الدر المصون ٤/٢٨١...
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٩/١١٦)..
٥ في ب: العاكظي..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٨٢)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٧٩) والحاكم (٤/٥٧٠) والطبراني في "الكبير" كما في "المجمع" (٧/٤٨).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/٤٨) وقال: وإسناده جيد.
وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث"..
٨ أخرجه مسلم (٤/٢١٥٠) كتاب صفات المنافقين: باب في البعث والنشور حديث (٢٩/٢٧٩١). والترمذي (٥/٢٧٦) كتاب التفسير حديث (٣١٢١) وابن ماجه (٤٢٧٩) واستدركه الحاكم (٢/٣٥٢) من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة وهو في مسلم بهذا الإسناد.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه..
٩ أخرجه مسلم (١/٢٥٢) كتاب الحيض: باب بيان صفة مني الرجل والمرأة حديث (٣٤٠/٣١٥) والطبري (٧/٤٨٣) والحاكم (٣/٤٨٢) من حديث ثوبان.
١٠ /٥٦٧ والبحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢. ينظر: الكشاف.
١١ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢..