المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿يوم تبدل الأرض﴾ الآية، ﴿يوم﴾ ظرف للانتقام المذكور قبله. ورويت في «تبديل الأرض » أقوال، منها في الصحيح : أن الله يبدل هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي، وفي الصحيح : أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه(١). وروي أنها تبدل أرضاً من فضة. وروي : أنها أرض كالفضة من بياضها(٢). وروي أنها تبدل من نار(٣). وقال بعض المفسرين : تبديل الأرض : هو نسف جبالها وتفجير بحارها وتغييرها حتى لا يرى فيها عوج ولا أمت : فهذه حال غير الأولى، وبهذا وقع التبديل.
قال القاضي أبو محمد : وسمعت من أبي رضي الله عنه : أنه روي : أن التبديل يقع في الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة - إن صح السند بها - وفريق الكفرة يكونون على نار. ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله تعالى.
وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها. ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش »(٤)، وروي عنه أنه قال :«الناس وقت التبديل على الصراط »(٥)، وروي أنه قال «الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه »(٦).
و ﴿برزوا﴾ مأخوذ من البراز، أي ظهروا بين يديه لا يواريهم بناء ولا حصن. وقوله :﴿الواحد القهار﴾ صفتان لائقتان بذكر هذه الحال.
١ أخرج البخاري، ومسلم، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحد كم خبزته في السفرة نزلا لأهل الجنة... ) راجع البخاري ـ كتاب الرقاق ففيه بقية الحديث، وكذلك في الدر المنثور..
٢ أخرج البزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث ـ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾، قال: (أرض بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة). (الدر المنثور) و(فتح القدير)..
٣ أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: "الأرض كلها نار يوم القيامة و الجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقا حتى يرشح في الأرض قدمه... الخ" (تفسير الطبري)..
٤ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (٥ ـ ٣٠٠، ٣٠٨) هو أن أبا قتادة كان له دين على أحد الناس، وكان المدين يختبىء منه، ثم علم ذات يوم أنه في البيت فناداه وسأله عن سبب اختفائه، فقال: إني معسر ـ فبكى أبو قتادة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن غريمه، أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة)، وليس لهذا صلة بالتبديل..
٥ أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم ـ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾، قلت: أين الناس يؤمئذ؟ قال: على الصراط. (الدر المنثور، وتفسير الطبري، وفتح القدير)..
٦ أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري. (الدر المنثور)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى